آخر تحديث :الخميس 02 يوليو 2020 - الساعة:22:48:35
من المفاخر البطولية... "الدباغ" في حماية ردفان
("الأمناء" كتب/ حافظ قاسم صالح*)

في أربعينيات القرن العشرين لجأ إلى ردفان في بلاد القطيبي السيد حسين بن عبدالله الدباغ، وهو من مكة المكرمة (الحجاز)، وأسرة الدباغ مشهورة بالتنوير وريادة التعليم في عهد الدولة السعودية الأولى، ويذكر  الكاتب عبدالله المدني: إنه بعد دخول الملك عبدالعزيز آل سعود إلى الحجاز وضمها إلى ملكه، برزت خلافات في كيفية إدارة الحجاز التي كانت متميزة عن بقية المناطق السعودية بشيء من التطور الإداري والتعليمي والحريات الاجتماعية والنشاط السياسي؛ فنزح عدد من آل الدباغ مع العديد من نشطاء الحجاز السياسيين ومسؤولي الدولة الهاشمية إلى الخارج ليقودوا من هناك حركات حزبية معارضة وليكتبوا في الصحافة الأجنبية مقالات تطالب باستقلال الحجاز، فمثلا رحل محمد طاهر الدباغ إلى مصر وانضم هناك إلى حزب الأحرار الحجازي الذي أسسه أخوه حسين الدباغ بدعم من الملك عبدالله بن الحسين ملك شرق الأردن، وعهد برئاسته إليه باعتباره وجهاً سياسياً أكثر شهرة وخبرة، علماً بأن هذا الحزب افتتح لنفسه فروعا في مصر وعدن ولحج ضمت العديد من الوجوه السياسية والتجارية التي غادرت الحجاز بعد ضمها إلى الحكم السعودي.

وموضوع حديثنا هو السيد حسين بن عبد الله الدباغ الذي نزح من بلاد الحجاز إلى اليمن الشمالي لكنه اختلف مع الإمام بسبب نزوعه الثوري، وعدم تقبله لسياسة الإمام وحكمه الفاسد وظلمه للناس، وفضلا عن ذلك فالإمام كان يسعى لخديعتهم والقبض عليهم وتسليهم ليقبض الثمن، فجاء حضرموت وهناك أقام في المكلا وأنشأ مدرسة سميت باسم الفلاح وكانت الأولى من نوعها...وغادر السيد الدباغ المكلا إلى لحج وعدن.

ويقول المؤرخ صلاح البكري "إنه في 16 رجب عام 1357 الموافق 11/ 9/1938 وصل الدباغ يافع فقوبل بحفاوة بالغة واسعة النطاق وأقام في صنفرة في بلاد المفلحي وهناك أنشأ مدرسة باسم الفلاح وانضم إليها عدد كبير من أبناء رؤساء يافع وأعلن للملأ أنه نوى الإقامة في يافع لنشر العلم وتمكين أصول الدين في قلوب يافع وغيرهم من سكان الجنوب.

وكان السيد الدباغ على جانب كبير من الدهاء وقوة الشخصية وفصاحة اللسان لذلك أخذت دعوته تمتد ويتسع نطاقها في يافع وفي خارج حدود يافع وجاءته الوفود من قبائل كثيرة للسلام عليه وتهنئته بنجاح دعوته ووصلته دعوة من بعض المشايخ في مقاطعة البيضاء ورداع.

ويضيف البكري: إنه في مساء 15 شعبان عام 1359 الموافق 18 سبتمبر 1940 سافر وبصحبته ثلاثمائة مسلح وعدد من الطلبة بطبولهم ووصل الظاهرة في البيضاء يوم 20 شعبان. وعلم الإمام بوصول هذه القوة التي يقودها السيد الدباغ إلى اليمن فخاف وذهبت به الظنون مذاهب شتى وأراد الإمام أن يقضي على هذه القوة الزاحفة قبل أن يتسع نطاقها ويمتد لهيب خطرها لذلك جهز 8000 مقاتل تحت قيادة السيد الضميمي، ولما بلغ السيد الدباغ نبأ قدوم جيش الإمام انسحب من اليمن إلى بلدة حمرة في يافع ولكن الجيش اليمني أحاط بالبلدة للقبض على السيد الدباغ الذي أصبح عدد أتباعه نحو ألفين وأشتد القتال بين الفريقين واستمر النضال ثلاثة أيام وكان النصر لجيش الإمام وكانت الخسائر فادحة في الفريقين".

فلجأ الدباغ إلى بلاد القطيبي في ردفان، فلما وصل إلى هناك تداعى عقال قبيلة القطيبي لعقد لقاء في منطقة الثمير، التي فيها بيت شيخ القطيبي، لتدارس الوضع وخطورته واتخاذ موقف؛ لأن الدباغ كان مطلوباً من ثلاث دول (بريطانيا والإمام والسعودية)، ويروي من شهد اللقاء: إنه عند عقد اللقاء اقتربت من مكان اللقاء قوة عسكرية بريطانية قدمت من القاعدة العسكرية في الحبيلين القريبة من الثمير، وتحركت لتحاول القبض على الدباغ، فتفاجأ القوم وشعر الدباغ، وكان معهم، بالخطر، عندئذ أخذ العاقل/ صالح صائل الوحّدي القطيبي، بيد الدباغ، قائلا له: (أنت بوجوهنا، ولا يمكن نحطك إلا ونحن جثث) فأخرجه شرقاً باتجاه سيلة بجير ثم صعد به إلى معقله في جبال منطقة وحّدة. وكان العاقل صالح صائل الوحّدي رجلا مهاباً، عند كلمته، مسموع الرأي في القبيلة، وكان صادقاً، وذا مروءة وشهامة ونخوة وإباء. فقاموا بحماية الدباغ ورفضوا كل الإغراءات التي تقدم لهم من أجل تسليمه، فقد كانت مغامرة كبيرة، لكن الرجولة والشهامة ونصرة المظلوم وإيواء الغريب كانت هي القيم التي تدفعهم وتحركهم وهم يسطرون هذا الموقف البطولي الجسيم، وهي مواقف وقيم خلدتهم باعتزاز وفخر، إنها مواقف تتعالى عن الكسب المادي الرخيص والمؤقت، وفي سبيل ذلك تحملوا أضراراً جسيمة وتعرضت المناطق للقصف المتواصل.

لقد كان الدباغ أثناء مكوثه في حضرموت (المكلا) ويافع قد قدم خدمات جليلة في تأسيس المدارس وتعليم الناس، وعندما ضاقت به السبل لم يجد إلا ردفان تأويه وتحميه مع أنها لم تنل شيئا من خدماته؛ فقد وصلها هارباً شارداً لاجئاً فكانت نعم المستجير ونعم الحامي والمدافع.

ولقد كان الدباغ شجاعاً وقويّاً فأُعجب به رجال القبائل؛ فتفانوا في الدفاع عنه، وكان يدعوهم إلى التكاتف والتعاون، ويذكرهم بتعاليم الدين الحنيف، فقد كان تقيّاً محافظاً على الصلوات، وكان يحرضهم على مقاومة الاستعمار البريطاني، وهناك من يذكر إنه كان يشارك معهم في المعارك ضد الاحتلال البريطاني.

وفي حوالي أكتوبر 1940 اتفق مع رجال القبائل على اعتراض القوافل العسكرية البريطانية، فبادر المناضل عباد هيثم الوحّدي بالقيام بالمهمة، فقام عباد باعتراض قافلة بريطانية في الحبيلين مما أدى إلى مقتل ضابطين بريطانيين فتأكد لدى حكومة عدن أن للسيد الدباغ يداً في مقتلهما فأرسلت طائراتها تلقي المنشورات على بلاد القطيبي طالبة تسليمه ومنشورات تطالب بتسليم المناضل عباد مع طلب رهائن ومبالغ مالية وبنادق من أهل قطيب، ولكن قبائل القطيبي رفضت قبول طلب حكومة عدن؛ فأرسلت الحكومة أسراباً من الطائرات مكونة من خمس وعشرين طائرة لقصف بلاد القطيبي وخاصة منطقة وحّدة، فقتلت النفوس وأهلكت المواشي وتهدمت الدور والمنازل وأحرقت المزارع، ولوثت المياه والتربة، وتحاصرت البلاد، ومازالت بقايا القنابل باقية إلى اليوم! واستمر إلقاء القنابل حوالي ستة أشهر، وعندما رأى الدباغ حجم المعاناة والحصار المفروض على القبيلة، طلب من رجال القبيلة تهريبه إلى حضرموت وقد كان ذلك فقد وصل إلى حضرموت، وهناك استطاعت القوات البريطانية القبض عليه وأعادته إلى السعودية وقد وافته المنية بجيزان عام 1942. كما يذكر عبد الله المدني: إن الملك عبدالعزيز بحنكته ودهائه استطاع احتواء حركة المعارضة ودعوتهم للعودة إلى بلادهم معززين مكرمين، فكان أن استجاب العديد منهم لدعوة الملك الذي بادر بدوره إلى العفو عنهم وتعيينهم في مناصب الدولة المختلفة.

من هذه الواقعة التاريخية نستخلص دروساً كثيرة ولعلي أشير إلى أمور ؛أهمها:

إن الإنسان يضحي بكل شيء من أجل مبادئه، فهذا الدباغ شخصية سياسية وثقافية كبيرة كان له أن يعيش حياة مستقرة هانئة؛ لكن إصراره على المقاومة ودعوة الناس وتنويرهم جعله يتحمل مشقات وأتعاب كبيرة جدا، فقد حرم نفسه من متع الحياة، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل إنساناً عاش في مكة وتنقل بين مصر والهند والعراق وإندونيسيا وفجأة تجده في كهف (جرف) في رأس وحّدة في بلد القطيبي بردفان المعروفة بتضاريسها الصعبة، إنه أمر صعب ومؤلم، ولكن هي المبادئ والأهداف السامية لا تتحقق إلا بالصدق والمعاناة والتضحية بكل غال ونفيس.

والدرس الآخر نتأمل موقف قبائل القطيبي؛ فلقد ضربت أروع النماذج في النضال والشهامة والمروءة وإيواء الغريب والتضحية على الرغم مما تكبدته من ضحايا وتدمير وهدم. وما زال آثار الدمار وبقايا القنابل باقية إلى اليوم. ومازال الكهف (الجرف)، الذي تحصن فيه الدباغ باقياً إلى اليوم يسمى (جرف الدباغ)، شاهداً على روح المقاومة والإصرار والتحدي والتضحية والبسالة والبأس والنجدة.

 

*باحث وأكاديمي - جامعة عدن.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص