آخر تحديث : الأحد 2019/03/24م (16:20)
"الأمناء" تبحث في مصير القضية الجنوبية..
ما الذي جناه الجنوبيون من الحرب؟ وأين ستكون وجهتهم المقبلة؟
الساعة 09:15 PM (الأمناء / حسـين الأنعمي :)

في اليمن، تدخل الحرب عامها الرابع وسط سيطرة حوثية في الشمال، الموطئ الخصب لهذه المليشيات، في ظل جمود كلي لما يسمى (بالجيش الوطني) وحضور ضئيل، أو شبه موسمي، لقوات التحالف تسجله مقاتلات الأباتشي والـF16 جواً، يقابله تحرير شبه مكتمل للقطب الجنوبي من البلد، الخاضع لسيطرة المقاومة الجنوبية بإشراف دول التحالف العربي، والذي يشهد هو الآخر حضورًا فعليًا لكيان المجلس الانتقالي الجنوبي على الأرض، تشاركه ذلك الحكومة الشرعية بتموضعها في إقليم (معاشيق) المنعزل حيوياً عن إطار العاصمة عدن، وتمركزها في مؤسسات ومرافق الدولة، المتخمة بالفساد الحكومي في ظل واقع مزرٍ يخنق البلد شمالاً وجنوباً.

وقائع وأحداث كثيرة سجلتها الحرب التي طالت أكثر من المتوقع، وتغييرات جذرية طرأت على الساحة السياسية في الداخل والخارج، ويوم عن آخر تتسارع الأحداث مسجلة تطورات جديدة. فلم تنحاز (نار الحرب) إلى طرف لتلتهم الطرف الآخر على الرغم من الانتصارات التي تحققت جنوباً والهزائم التي مني بها الحوثيون ولا تزال تتوالى في جبهات عدة، فقد بقي هذا الأخير متشبثاً بالشمال، ومحكماً قبضته على عاصمة الحكومة (صنعاء)، «بيت القصيد» من الحرب والنقطة المفصلية في خارطة مشروع إنهاء الانقلاب، الشرارة التي أشعلت فتيل نار هذه المعارك بسيطرة الحوثيين على القصر الرئاسي في مارس/آذار من عام 2015م.

 

الجنوب والحرب

كان الجنوب حدثاً بارزًا في هذه الحرب، صنع حضوره زحف المليشيات الحوثية إلى عدن، في ملاحقتها لموكب الرئيس هادي بعد فراره من صنعاء وإفلاته من الحصار المطبق، وسيطرتها على بعض المحافظات الجنوبية، الأمر الذي استدعى دفاع الجنوبيين عن أرضهم ودخولهم كطرف رئيسي في الحرب، ومن ثم تحقيقهم الانتصارات وكسر شوكة التمدد الحوثي في الجنوب، وملاحقته إلى مناطق حيوية في المحافظات الشمالية، الأمر ذاته الذي أظهر الجنوب إلى السطح، والفرصة التي أنعشت مطالب الشعب الجنوبي بعد أن هُمش وأُقصي في عديد مناسبات سابقة.

لم يكتفِ الجنوبيون بتحرير أرضهم وصنع العديد من الانتصارات، بل ساهموا في تحرير أجزاء واسعة من شريط الساحل الغربي ومناطق شمالية أخرى كانت ترضخ تحت فوهة نيران المليشيات، كما لم تمنح الحرب الجنوبيين فرصة العيش بسلام في ظل انقلاب متكامل قوّض أركان البلد، بل جعلت منهم شركاء أساسيين مع التحالف، الأمر الذي فتح أبواب دول الجوار الموصدة في وجه القضية الجنوبية ودفعهم لمراجعة سياساتهم تجاه شعب الجنوب، وجعلهم يعدلون عن مواقفهم السابقة، بما في ذلك القبول بالواقع الذي فرض نفسه بانقلاب وتبدل موازين الحرب على عكس ما كان يتوقعه الكثير.

 

بوابة القضية الجنوبية

المتابع للأوضاع بعينين مفتوحتين، أو حتى مواربتين، يدرك أن جنوب اليوم ليس جنوب الأمس، وأن قضيته أصبحت محل اهتمام الجميع، بمن فيهم صناع القرار، تؤكد ذلك التحركات الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي وزيارة رئيسه المرتقبة إلى مجلس العموم البريطاني الشهر المقبل، والذي أكد فيها بأن الانتقالي سيمثل القضية الجنوبية خير تمثيل، مع تسجيل حضور سياسي يليق بشعب الجنوب وتضحياته العظيمة، جاء ذلك في كلمة ألقاها الزُبيدي إبان عقد الجمعية الوطنية الجنوبية دورتها الثانية بمحافظة حضرموت، السبت المنصرم، بالإضافة إلى المنجزات التي تحققت، ولا تزال تتحقق، على أرض الواقع.

إن ما تحتاجه القضية الجنوبية اليوم هو الالتفاف الشعبي الكامل حول مكون جنوبي يمثلها في الأروقة والمحافل السياسية والدولية، وأن لا يحيد، قيد شعرة، عن مطالب الشعب وخيار استعادة الدولة كاملة السيادة، وليس شرطاً أن يكون هذا المكون هو المجلس الانتقالي، مع الإشارة إلى أنه المكون الجنوبي الوحيد، من بين عديد مكونات، الذي يسير بخطىً صحيحة ومتوازنة، مراعياً الزخم الثوري لدى الجنوبيين - الزخم الذي أفرزته الحرب بكميات كبيرة - ومتفهماً، في الوقت ذاته، المصالح المشتركة مع دول الجوار والإقليم، إضافة إلى كونه المكون الأول والوحيد الذي استطاع بناء وامتلاك قوة عسكرية تتنفس الهواء الجنوبي وتحمل رايته، أعادت للجنوب عين الاعتبار بعد تدمير ترسانته العسكرية في غزو صيف 94م، وما تلتها من أحداث مورست فيها أساليب التهميش والإقصاء الممنهج التي طالت مئات الآلاف من أفراد ومنتسبي الجيش الجنوبي.

يمكن القول أن الجنوبيون اليوم باتوا قاب قوسين أو أدنى من الظفر بحق تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم كاملة السيادة بحدود عام 90م، أكثر من أي وقتٍ مضى، وأنه أسهم قضيتهم العادلة تسجل حضوراً ملفتاً وهاماً في بورصة المجتمع الدولي، وأنهم (أي الجنوبيين) أصبحوا أمام خيارين مفصليين لا ثالث لهما، أحدهم يمثل (طوق النجاة)، ويتمثل بالالتفاف حول القضية الجنوبية وتوحيد الخطاب السياسي ورفع سقف المطالب الشعبية عالياً، وقبل ذلك، تغليب المصلحة الوطنية والجنوح عن المماحكات والمكايدات التي أثقلت كاهل الشعب ومزقت وحدة صفه وأدخلته في دوامة من الخلافات اللامتناهية، وذلك باستشعار كل جنوبي، أكان فرداً أم قائداً أم مسؤولًا، بالمسؤولية الوطنية تجاه شعبه ووطنه، وأن المصلحة الوطنية هي الأولى بالتمثيل من غيرها، خصوصاً في هذه الظروف الحساسة (والمصيرية) حد تعبير العديد من السياسيين والمتابعين.

 

متاهة الشرعية

فيما يتمثل الخيار الآخر للجنوبيين بالبقاء تحت ظل الشرعية، والدخول مجدداً في (متاهاتها)، وهي التي لم يرَ منها المواطن الجنوبي إلا المعاناة والألم والشتات، ولم يلمس منها إلا الفساد والعبث، ولن تقود إلاّ إلى مزيد من الخراب والضياع.

هذا ما يدركه العقلاء من الجنوبيين ويؤمنون به جيداً، وهو أن لا نجاة لهم إلا بالتمسك بقضيتهم العادلة، وأن البقاء في كنف الشرعية - سواءً في استمرار الوحدة المنتهية مع الشمال، أو عبر مشاريع الأقاليم بمختلف أنواعها، والتي تروج لها بعض الأقلام الجنوبية المنفذة لأجندات وأهداف تمليها عليهم جهات وأحزاب معادية للجنوب وشعبه - لن يكون سوى طريق لمسلسل آخر من مسلسلات وحدة العام 90م، التي قضت على الدولة الجنوبية ورسمت نهايتها المأساوية وأحالتها أثراً بعد عين.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
980
عدد (980) - 21 مارس 2019
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
تطبيقنا على الموبايل