آخر تحديث : الأحد 2019/03/24م (22:02)
عودة نبراس .. (قصة قصيرة)
الساعة 08:01 PM (الأمناء نت / مريم محمد الداحمة :)

في صباح ذلك اليوم وبعد مرور أربع سنوات على التوالي نهضت نبراس مبكرا كعادتها كي تذهب لعملها الذي اعتادت الذهاب إليه صباح كل يوم وقد كانت في بداية دخولها العمل نشطة جدا كي تثبت وجودها ومكانتها في الشركة التي أتى إليها من هذه الشركة عقد للعمل فيها خارج بلدتها فقد اضطرها الأمر لمغادرة بلدها، فقد غرتها ملاهي الحياة ومتعة الدنيا للسفر لتغيير مسار حياتها ، حيث كانت تظن بأن حياتها ستتغير إلى الأفضل بهجرها لبلدتها وأهلها وعزوتها ومسقط رأسها ولكن للأسف كل ما حلمت به كان حلما مؤقتا نهضت منه بعد عدة أشهر من مغادرة بلدها ولم يكن بيدها شيء غير الرضوخ لذلك الأمر الذي اختارته بيدها متجاهلة نصح كل من حولها لها بالبقاء في بلدها واستمرارها بالعمل الذي تحلم به داخل مدينتها لكنها أصرت على رأيها وعزمت على الذهاب كون تلك الفرصة لن تتكرر مرة أخرى فهي فرصة ثمينة بالنسبة لها فقد ظلت تحلم بها سنوات طويلة منذ طفولتها وها هي اليوم قد تحققت.

تثاءبت ومن ثم انصرفت إلى دورة المياه كي تتجهز للذهاب إلى عملها ، تشعر بملل وكسل يكتسح ملامحها وجميع أجزاء جسدها تود العودة إلى بلدها وتقبيل ترابها معتذرة عن تركها لها خلال كل الفترة التي مضت ولكنها مجبورة على تحمل الأمر كونها قد أمضت على عقد العمل لمدة أربع سنوات.

ارتشفت من فنجان القهوة الذي أمامها ومن ثم انصرفت بتململ إلى عملها.

أجواء الشركة تشعرها بالكآبة.. لا تطيق الجلوس فيها.. لم تتأقلم مع عادات هذا البلد.. كل تلك السنين والأيام التي مضت عليها ومازالت تمضي لم تكتسب فيها التكيف والتأقلم مع هذا الجو والواقع الكئيب.

الصمت يكتسح المكان بينها وبين الأفراد العاملين معها في تلك الشركة.

لا أحد يشعرها بأهميتها.. لا أحد يهتم بها.. كل واحد منهم ملتهٍ ومنشغل بعمله وبنفسه.. تود التحدث ولكن هناك شيء يمنعها من ذلك.

زفرت باااااه .. مكبوتة في داخلها منذ سنين، وشريط ذكرياتها واختيارها للغربة يمر أمام عينيها، قطع عليها ذلك الانسجام المؤلم صوت سكرتيرة مكتب المدير وهي تدعوها لتلبية أمر المدير في طلبه لها.

ذهبت متذمرة من حالتها.. طرقت باب المكتب، سمح لها المدير بالدخول.

قالت بصوت شبه مسموع : أستاذ هل طلبتني؟!.

اهتز رأس المدير بالإشارة بنعم.. ومن ثم طلب منها أن تتفضل وتستريح، وبأسف تحدث عن إعجابه بعملها وبعدة أشياء تخصها وهي منصتة بتمعن في حديثه لا تدرك ما يود قوله بالضبط!.

ومن ثم قال لها : اليوم هو يوم انتهاء عقد العمل الذي عقدناه منذ أربع سنوات.

لم تستوعب ما يعنيه فطلبت منه أن يعيد ما قاله.

اختلطت مشاعرها بين الفرح والحيرة. تشعر بصدمة فرح ألجمتها عن الحديث.

واصل المدير حديثه بطلبه لها بتجديد عقد العمل ولكنها دون أي إصغاء لباقي حديثه اعتذرت ورفضت تجديد عقد العمل. طلب منها المدير التفكير قبل اتخاذ قرارها.. كانت تجاريه بطلبه كونها لا تريد كسر خاطره ، من ثم استأذنت وانصرفت بهدوء.

عند وصولها لشقتها وقبل أن ترتاح كعادتها قررت أن تتوضأ وتستخير ربها في أمرها، فرشت سجادتها ولبست ثوب صلاتها وبدأت بالصلاة وأطالت السجود في استخارة ربها ومن ثم أحست بأن الجوع ينهش عظامها فطلبت الطعام من ذلك المطعم الذي اعتادت الطلب منه - فهي منذ أن خطت قدمها أول خطوة في تلك البلدة لم تعد تدخل إلى المطبخ لانشغالها الدائم بعملها- تنفست بارتياح وحنين وشوق يدفعها لبلدها..

ذهبت إلى سريرها والتعب قد أنهك قواها والنوم قد جعل وجهها ممتقع وبالكاد تفتح عينيها ، وما إن وضعت جسدها النحيل على سريرها حتى ذهبت لعالم الأحلام.. أطالت نومها على عكس عادتها.. فهي لم تضبط المنبه من أجل العمل ككل يوم.

فالعمل بالنسبة لها صفحة وانطوت أحست بذلك بعد استخارتها..

بعد نوم طويل امتد لنصف النهار التالي.. نهضت وقالت بصوت مسموع : سأعود حتما إلى بلدي إلى مدينتي الجميلة التي أعشق كل ناحية من نواحيها.. أعشقها إلى حد الجنون أعلم يقينا بأنني سأكون سعيدة هناك فكررتها : نعم ؛ سعيدة وسعيدة جدا فليست هينة علي كل تلك المدة التي تركتها فيها.. نعم سأعود لاحتضانها واحتضاني من جديد ، لا أصدق بأنني سأرى أهلي ورفاقي مجددا!.. ما هذا الذي أشعر به؟..

إنها نشوة الانتصار على رغبتي البذيئة التي أبعدتني عن بلدتي كل تلك السنين، كل شيء بالنسبة لي قد انتهى هنا، سأعود لمسقط رأسي.. تسللت من عينيها دمعة فرح.

أخذت هاتفها المحمول لإبلاغ مديرها عن رغبتها في عدم تجديد عقد العمل.

لم تعد تطيق العيش في تلك المدينة أكثر من ذلك ولو ليوم واحد.

فتذكرت كم كانت فرحتها كبيرة وهي تتلقى عقد العمل الذي وصلها وعدم مبالاتها بنصائح من حولها لها وبعدم قبولهم ورضاهم بذهابها للعيش والعمل في بلدة غير بلدتها.

فقد دار نقاش حاد جدا بينهم حول هذه المسألة وكاد النقاش أن يفجر أزمة عنيفة تعصف بكيان كل الحاضرين ولكنها أصرت على قرارها، قرارها الذي ندمت عليه كل تلك السنين التي مرت بها في تلك البلدة.

أغمضت عينيها لثوانٍ ومن ثم سارعت بالحجز في أقرب رحلة للعودة.. أخذت تلملم أغراضها وتدسها في حقائبها على عجلة من أمرها ومن ثم تذكرت بأن عليها الذهاب للتسوق من أجل شراء الهدايا لكل من يعزهم قلبها.. بعد انتهائها من التسوق وعودتها إلى شقتها ذهبت لأخذ التأشيرة والتذكرة من أجل الرحلة.

حلقت الطائرة في سماء مطار تلك البلدة حتى تخطت مستوى السحاب وغابت في بياضه.

تمتمت بينها وبين نفسها بصوت غير مسموع : ها أنا قد عدت أشعر وكأنني قد ولدت من جديد.. كم يروق لي أن أعيش في صفاء الهواء في بلدتي.. وبساطة الحياة بين أهلي ورفاقي وحارتي وبيتي المتواضع.. أن أرى أمي وإخوتي كل صباح أمامي نلقي تحية الصباح والمساء على بعضنا البعض.. أناديهم وينادونني.

بعد قضاء وقت طويل في الطائرة حطت الطائرة فوق مدرج مطار بلدتها الحبيبة وقلبها يزف الفرح والسعادة في داخله.

أطلت من نافذة الطائرة فإذا بها ترى الأيادي تلوح للنازلين من الطائرة ولا أحد يلوح لها كونها لم تخبر أحدا بعودتها.. فقد قررت أن تكون مفاجأة للجميع ولكن أيادي الملوحين أشعرتها بالاطمئنان والأمان فهي في أرضها الحبيبة.

استنشقت بنفس عميق نسيم هواء بلادها العليل فانتابها شعور بالانتعاش وهزها شعور اللقاء والحنين.

بعد ساعة من الزمن تقريبا وصلت إلى جانب منزل أهلها.. عيناها تذرف بالدمع لم تكن مصدقة بأنها أمام المكان الذي احتواها وحملها وضمها منذ طفولتها ونعومة أظفارها.

قررت المواجهة والدخول.. قرعت باب المنزل فانفتح الباب ولم ترَ أمامها سوى طفل صغير لم تتذكر أنها رأت ملامحه من قبل!.

استجوبته لتعرف من هو؟

ومن ثم ضمته إلى صدرها بعمق ، لم تصدق بأن من أمامها هو (جاد) ولد أخيها الكبير سام الذي تركته ومازال عمره عدة أشهر ، لقد كبر وصار يتحدث ويمشي ويجري.. لا أصدق ناظري!.. نعم أنا أحلم.

 أفاقت من سرحانها على صوت جاد وهو يطلب منها الدخول عرفت منه بأن في منزلهم مناسبة وهي خطبة أختها الصغرى سهام.. ربتت على كتفيه بحنان ومن ثم طلبت منه أن لا يذكر أي سيرة لأي أحد من الحاضرين بوصولها ووجودها.. دخلت مسرعة قاصدة الدور العلوي بعد معرفتها بأنه ليس هناك فيه أحد وبأن الجميع منشغلون بالحفلة.

صعدت مسرعة متحاشية أن يراها أي أحد بعد أن أزاحت أغراضها بزاوية من زوايا المنزل خشية أن يراها أحد ويكتشف أمر مفاجأتها.

بسرعة قصوى تمكنت من تجهيز نفسها.. دقات قلبها تتسارع ترنو إلى الأسفل بنظرات شاردة ومشوشة البال وهي تفكر كيف ستكون صدمة من حولها بوجودها بعد تلك الأربع  سنوات التي مرت.. تشعر وكأنه قد مر لها زمن سحيق منذ فراق كل من حولها.

الجميع يرقص ومنبسط وفرحان ، وقفت أمام الباب لعدة دقائق ولم ينتبه أحد لوجودها كون الجميع منشغل بترقيص العروس.

أعطت لابتسامتها التي ارتسمت على محياها الحرية بالتلويح حيث ما تشاء وتوجهت مسرعة للرقص مع العروس.

دست نفسها بين الجميع وبادرت بالرقص.. الجميع ينظر إليها! توقفت أختها عن الرقص عندما رأتها وكل الحاضرين ينظرون بدهشة وعدم تصديق بوجودها بينهم!..

احتضنت أختها بشدة ومن ثم دار عناق شديد مبكٍ ولكنه مفرح في نفس الوقت.

سعادة دبت في نفسها وفي أرجاء المكان بوجودها بين أهلها وعاهدت نفسها بأن لا تترك بلدها ثانية بحجة العمل لأي مكان كان.. وستكتفي بزيارتها لأي بلد تقصدها للسياحة فقط وتغيير جو بالإجازة إن قررت ذلك.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
980
عدد (980) - 21 مارس 2019
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
تطبيقنا على الموبايل