آخر تحديث : الاثنين 2018/11/19م (01:36)
انطلقت شرارتها من جبال ردفان الأبيّة..
ثورة أكتوبر المجيدة... الثورة التي أذاقت البريطانيين الويل (تقرير)
الساعة 10:37 PM (الأمناء نت / تقرير / خاص)

تحلّ علينا اليوم الذّكرى الخامسة والخمسون لثورة 14 أكتوبر , التي انطلقت شرارتها من جبال ردفان الشّمّـاء في عام 1963م ، بقيادة "راجح بن غالب لبوزة"، التي استمرت أربع سنوات، إلى حين  طرد آخر جنّدي بريطاني من مدينة عدن في 30 نوفمبر لعام 1967م…

وهذه المناسبة تعدّ الأعظم للشعب الجنوبي على مرّ التّاريخ، الذي قدم من خلالها الجنوبيون قوافل من الشهداء على ألاّ تظل أرضه مستعمرة محتلة ، ورغم كلّ ما قدمته بريطانيا لـ عدن، من بناء وإعمار ــ جعلاها من أهمّ المدن في العالم آنذاك ؛ ولا أحد ينكر ذلك ــ لكنّ هذا لم يكن أمام الجنوبيين ذات قيمة تُذكر، طالما وأرضهم –التي ترعرعوا وتربوا فيها– محتلة مُستعمرة؛ ليظلّ الجنوبيون في فوران وغليان ضخم ، إزاء التّواجد البريطاني في الجنوب ، وحتى انطلاق الثورة الأكتوبرية، ومرورًا بيوم الجلاء العظيم.

ومن هذا ستحاول "الأمناء" الرّجوع للتّاريخ قليلًا، وستتناول قصة احتلال مدينة عدن – باقتضاب– وكيفية دخول البريطانيين لها، وكيف اندلعت شرارة ثوّار جبال ردفان في أكتوبر، وغيرها من الأحداث التاريخية التي يجهلها الأغلبية ــ وكنا نحن نجهلها! ــ

 

قصّة احتلال البريطانيين لـ عدن

يشير الكثير من الباحثين والمؤرخين إلى قصة السفينة الهندية "داريا دولت" في يوم الخميس 19 يناير 1839م، وكانت حينئذ تحمل العلم البريطاني وهو العذر والمبرّر الذي استخدمه البريطانيون لـ احتلال عدن؛ وذلك لعدم تمكّنهم من الاستيلاء على عدن بـ أساليب متعددة، وطرائق كثيرة، كالإغراء، والنّفوذ، والشراء، والتأجير…

وبعد أن استكمل البريطانيون كلّ التقارير والمعلومات عن عدن، ومينائها، وتحصيّناتها العسّكرية، قرّر البريطانيون استخدام القوّة لـ احتلال عدن، التي كان عدد سكانها –حينئذ– (600) نسمة...

وهناك دراسات ومصادر بريطانية تؤكّد أنّ قصة سفينة "داريا دولت" الهندية هي خطّة أعدّها قائد الحملة البريطانية، الكابتن "ستافورد هينس" الذي أصبح أوّل مُقيم سياسي في جنوب اليمن، حيث حكم لمدة (17) عامًا، وانتهى حكمه بمحاكمته ؛ وذلك بسبب اختلاس أموال، وتوفّي بالسجن بعد سبع سنوات حينما تم التنسيق مع أحد التجار العرب - المتآمرين - وكان اسمه"فريد"، وذلك من خلال تحميل السّفينة "داريا دولت" لحملٍ أكثر من طاقتها التي تستطيع تحمّلها، وإغراقها في شواطئ مدينة عدن، ومنها كان العذر للبريطانيين.

لكن يرى بعض الباحثين أنّ حادثة غرق السفينة لم تكن مُدبّرة، وأنّها جاءت عبر الصدفة، وهي الصدفة التي استغلها البريطانيون الذين كانوا يترقبون ويتربّصون لاحتلال مدينة عدن منذ مدة طويلة جدًا ــ بالتحديد منذ عام 1600م ــ .

بعد حادثة غرق السفينة الهندية قام البريطانيون بمطالبة سلطان الحج حيث كانت عدن تابعه وقتئذ لسلطان لحج/محسن بن فضل العبدلي"، (السلطنة العبّدلية) بدفع غرامه، وتعويض؛ وذلك مقابل البضائع التي نُهبت، والتي فقدتها السفينة حينذاك…

وبعد موافقة سلطان لحج على دفع التّعويض للبريطانيين، تراجع البريطانيون عن رأيهم في عملية استلام التعويض، وقدموا مُقترحاً آخرَ –غير التعويض– وهو تنازل سلطان لحج عن مدينة عدن للبريطانيين، ويُعتبرتعويضًا لهم عمّا حدث لسفينتهم، ولبضائعهم...!

فتقول بعض المصادر والمراجع: إنّ السلطان "فضل العبّدلي" وافق على هذا الرأي؛ وذلك مقابل تخصيص بريطانيا راتباً شهرياً له؛ لكنّ السلطان واجه معارضة شديدة من قبل السّكّان، الذين أبدوا استعدادهم للدفاع عن أرضهم ومدينتهم "عدن الباسلة"، ومقاومة أيّ مُعتدٍ عليهم، أو على مدينتهم، وحدثت بعدئذ محاولة لاعتقال وقتل الكابتن "ستافورد هينس".

 

القوّة العسكريّة

ومن هذه الأحداث وصل البريطانيون إلى استنتاج نهائيّ ــ وهو جزء من سياستهم آنذاك ــ إلى جانب أنّ كلّ المفاوضات والأساليب السياسية قد فشلت مع هذا الشعب للاستيلاء على مدينة عدن، فتسارع البريطانيون اتخاذ الخطوات، وذلك من خلال قرار تنّظيم واستخدام القوة العسكرية –مع هذا الشعب– للاستيلاء على مدينة عدن والسيطرة عليها، وهذا كان قبل 19يناير_كانون_آخر 1839م...

ليبدأ تنفيذ الخطّة في تاريخ 18 نوفمبر 1838م، وذلك عندما أجرت حكومة "مومباي" اتصالاً بالسفن لتبلغهم عن حملة للقوات العسكرية،التي قُدرت بـ (350) جنّدياً بريطانياً، و(350) جندياً هندياً، وأكثر من (40) مدفعيّ، وعدد آخر من الخبراء والمهندسين، وكلّ هذا في مواجهه إجمالي سكان مدينة عدن (600) نسمة "تقريبًا"؟!!

فوصلت الباخرة "ماهي" في 18 ديسمبر 1839م، – إذ قد وصلت قبلها سفينتا "فولاج" وبعدها سفينة "كروزر"–،  وبدأ الكابتن "هنز" تهديده من خلال إيصال الإنذار الأخير للسلطان "العبّدلي" بضرورة الموافقة على تسليمه مدينة عدن، ولكن سكان عدن، ومدافعيّ عدن لم يهتموا بـ إنذار الكابتن "هينس" لهم، وكانوا على استعدادٍ للدفاع عن أرضهم...

وفي17 يناير 1839م ؛ نزلت بعض من القوات البريطانيّة من البحر إلى البَرّ ؛ لتقصفهم المدفعية العدنيّة وقتئذٍ...

وفي صبيحة يوم (الثلاثاء أو الخميس) من 19 يناير 1839م، اقتربت السفن العسّكرية البريطانية (فولاج، وماهي) مع قواربها إلى مرسى الساحل ــ القريب من قلعة صيرة التاريخية ــ وبدأ القصف وإطلاق النار بشكل كثيف، لترسي السفينة (فولاج)، بعد نصف ساعة، وحاولت القوات البريطانية قصف المواقع العدنية، وإسكاتها وقد تمكنت من ذلك، وبالذات من المدفعيّة المرابطة فوق قلعة صيرة، وتحتها، لتتحصن السفن العسكرية البريطانية تحت الجزيرة،  واستمرت المقاومة العدنية ، واستمر تبادل إطلاق النار، حيث استخدمت المقاومة البنادق المختلفة، وفي وقت الظهيرة ــ حوالي الساعة الحادي عشر والنصف ــ كانت القوات البريطانية قد تمكنت من النزول من البحر إلى البر، واتجهت نحو "باب عدن" ، ودارت معركة طاحنة هناك ، بين القوات البريطانية والمدافعين عن مدينة عدن (المقاومة)، واستُخدم السلاح الأبيض في المعركة، واستمرت المعركة حتّى الساعة الثانية عشر ونصف ظهرًا، وعندئذ سقطت مدينة عدن في أيديّ القوات البريطانية، ورُفع العلم البريطاني على قصر السلطان "العبدلي"، ويشير الباحثون أنّ في هذه المعركة سقط  حوالي (139) مواطنًا، و(25) مصابًا من المقاومين، وفي الجانب الآخر قُتل (15) جندياً بريطانياً، وقد تفوّق البريطانيون؛ لأنهم كانوا يمتلكون أسلحة متفوّقة، ومدافع متحركة ، عكس المقاومة التي لم تمتلك إلّا أسلحة نوعية، ومدافع غير متحرّكة .

وفي 18يونيو - حزيران 1839م - أي بعد الاحتلال البريطاني لمدينة عدن ـــ وقّع البريطانيون اتفاقية "صداقة" مع سلطان لحج "العبّدلي"، مقابل راتب شهري ــ حوالي (6500) دينارًا ــ وعلى هذا الأساس أخذ الاحتلال البريطاني الطّابع الرسمي في مدينة عدن، بتعهد السلطان "العبّدلي" بعدم مقاومة البريطانيين؛ إلاّ أنّ المقاومة لم تتوقف، واستمرت الانتفاضات، وكانت تقوم بـ العديد  من الهجمات على موقع  البريطانيين طوال فترة تواجدهم ، إلى أن اندلعت الشّرارة الأعظم من جبال ردفان الشّمّاء بـ قيادة (راجح بن غالب لبوزة) في 14 أكتوبر 1963م، وحتى يوم الاستقلال العظيم –التي غابت شمس الدولة التي قالوا عنها: إنّها لا تغيب عنها الشمس–، وقد تجلّى ذلك الانتصار في يوم 30 نوفمبر 1967م…

 

انطلاق ثورة أكتوبر من ردفان

قبل انطلاق ثورة 14 أكتوبر في عام 1963م ــ من جبال ردفان ــ كانت هنالك أحداث، يجب التّحدّث فيهاــ وباقتضاب ــ .

حيث في 11 سبتمبر صدر قرار الجمعيّة العامة للأمم المتحدة ؛ قضى بـ حل مشكلة الجنوب اليمني المحتل، وحقّه في تقرير مصيره، والتّحرّر من الحكم الاستعماريّ البريطانيّ.

وقبلها كان بعض الجنوبيين قد ذهبوا لـ صنعاء استجابةً لنداء إخوانهم في شمال اليمن، والتي اندلعت ثورة 26 سبتمبر، والإطاحة بالحكم الملكي آنذاك، وإعلان النظام الجمهوري، وقيام الجمهورية العربيّة اليمنية، وتسمية الزعيم "عبد الله السلال" أول رئيس للنظام الجمهوري حينذاك…

وفور عودة الجنوبيين من شمال اليمن، بقيادة "راجح بن غالب لبوزة" الذي استشهد مع مغيب شمس يوم اندلعت الثورة الأكتوبرية "الشرارة الأولى" ضد الاستعمار البريطاني، من جبال ردفان الشماء، في 14 أكتوبر لعام 1963م، التي دامت أربع سنوات…

وقد شنت السلطات الاستعمارية حملات عسكرية غاشمة، استمرت زهاء ستة أشهر، ضربت خلالها القرى والسّكان الآمنين بمختلف أنواع الأسلحة، تشرد على إثرها آلاف المدنيين العزّل، واتّبعت القوات البريطانية في هجماتها وغاراتها على مناطق ردفان الأبية سياسة "الأرض المحروقة"، وخلفت كارثة إنسانية فظيعة، جعلت أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني يدين تلك الأعمال ألـ لا إنسانية...

وفي خضمّ أحداث ثورة 14 أكتوبر، –أي قبل يوم الجلاء– وتحديدًا في عام 1965م ؛ اعترفت الأمم المتحدة بشرعية كفاح شعب الجنوب طبقـًا لميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخلال تلكم المعارك في ردفان، خاض خلالها المناضلون مواجهات عسكرية مع القوات البريطانية في جميع جبهات القتال، زلزلت مواقع وتجمعات المستعمر البريطاني ؛ حتى نال جنوب الوطن استقلاله من الاستعمار البريطاني في 30 نوفمبر 1967م، بعد احتلال بريطاني دام ? (129) عامًا، ليردّد الجنوبيون –حينذاك– أغنيتهم المشهورة :"برّع يا ستعمار برّع...من أرض الأحرار برّع".

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
793
عدد (793) - 14 نوفمبر 2017
تطبيقنا على الموبايل