آخر تحديث : الاثنين 2018/11/19م (01:36)
بحث استقصائي مثير للجدل يرصد حقائق وفصول المأساة بعد ألف يومٍ من الحرب..
كيف تحول اليمن السعيد إلى واحدة من أخطر المدن على وجه الكرة الأرضية ؟! (1-2)
الساعة 07:06 PM (الأمناء/ وكالات/ نهاد زكي :)

* باحث بريطاني يكشف هوية وبدايات الصراع بين شمال وجنوب اليمن

* "آرون شتاين" تتحدث عن بدايات تسليح الجيش الجنوبي وتكشف مصير الصواريخ الروسية

 

 

منذ أيامٍ قليلة نشرت وكالة «ديفينس ون» الإخبارية (Defence one) بحثًا بمناسبة مرور ألف يوم على حرب اليمن، وكيف تحول اليمن السعيد إلى واحدة من أخطر المدن على وجه الكرة الأرضية، وذلك من خلال بحث استقصائي مع عمال الإغاثة والصحافيين والخبراء الذين قاموا برصد حقائق الحرب عن قرب، هذا إلى جانب الجذور التاريخية التي ساعدت في تحويل اليمن إلى حالة الفوضى التي تشهدها الدولة حاليًا.

يقسم الباحث "بن واتسون" بحثه إلى أربعة أجزاء تتناول تاريخ الصراع في اليمن، ودول التحالف وبداية الحرب السعودية ضد الحوثيين، ونتائج الحرب، هذا إضافة إلى بعض الحقائق التي قد تغير الوضع في اليمن في الشهور المقبلة، مُشيرًا إلى أن حرب اليمن ستستأنف مرةً أخرى مع توقعات بزيادة أعداد القتلى المدنيين، وفي السطور القليلة القادمة سنقوم برصد أهم ما جاء في هذا البحث المثير للجدل، وتقديم تلخيص شامل لأهم ما جاء فيه ليكون بين يدي القارئ الكريم .

 

نظرة على تاريخ اليمن

في منتصف التسعينات، حاولت «وكالة المخابرات الأمريكية» تحليل كيفية انهيار الدول، إلا أن الدراسة لم تستطع أن تجيب بإجابة وافية، وذلك لعدم وجود بيانات كافية في ذلك الوقت؛ إذ لم يكن هناك تجربةً حية قبل عام 1994 تستطيع أن تعطينا قراءة جيدة عن موضوع الدراسة، إلا أن الواقع اليمني اليوم يمكنه أن يخبرنا بأكثر من إجابة عن هذا السؤال، مع توقعات للمشكلات التي سترافق المنطقة لعدة أجيال قادمة؛ إذ يعتبر الواقع اليمني اليوم هو تمثيل حي لسقوط ثلاث إمبراطوريات، منها الإمبراطورية العثمانية، والاحتلال البريطاني وممتلكاته في الشرق، والتي كانت مهمة في القرن العشرين.

بريطانيا وجنوب اليمن

كانت بريطانيا في بادئ الأمر هي الدولة الأم التي وضعت اليمن على رأس خارطة الغرب؛ إذ مثل الساحل الجنوبي لليمن نقطة إمدادٍ رئيسة للسفن الحربية البريطانية التي كانت تسافر من وإلى الهند حينذاك، خاصًة بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، وفي ذلك الوقت قدم البريطانيون جنبًا إلى جنب مع العثمانيين فكرة تقسيم المنطقة العربية راسمين خط الحدود الشمالي – الجنوبي الذي لم يزل حاضرًا حتى اليوم.

يقول المحلل السياسي "جون أرتيربيري" في بحثه عن اليمن: «إن أغلب ما تشهده المنطقة اليوم هو انعكاس لأحداث الماضي؛ إذ وعلى الرغم من أن دخول المتمردين الحوثيين العاصمة صنعاء قد يكون جديدًا بعض الشيء، إلا أن الصراع ما بين شمال وجنوب اليمن كان حاضرًا في تاريخها؛ فالوجود البريطاني في اليمن أثار إلى حدٍ ما سنوات من المقاومة العنيفة في الجنوب، وبمجرد خروج البريطانيين من عدن عام 1967، جاءت الحرب المصرية في اليمن إبان فترة حكم الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والتي قادت حركة التمرد، ولكن في الشمال».

شهدت اليمن بعد تلك الفترة عقود من صفقات بيع الأسلحة من السوفييت، سواء في الشمال أو الجنوب، سبقت فترة توحيد اليمن عام 1990، فتقول عن ذلك "آرون شتاين"، وهي باحثة في مركز رفيق الحريري لدراسات الشرق الأوسط: «في عالم الصواريخ، كان لليمن تاريخ أسطوري؛ إذ حصل كلا الجانبين – الشمالي والجنوبي – في الحرب الأهلية التي اندلعت في تسعينات القرن الماضي على الصواريخ الباليستية السوفيتية الصنع، من أنواع: (توشكا، وسكود-B)، وكان الطرفان يستخدمونها في إطلاق النار على بعضهما البعض، ويعتقد أن بقايا تلك الترسانة الصاروخية استقرت في حوزة الحوثيين، وقد استخدموها ضد أعدائهم منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، وذلك جنبًا إلى جنب مع سيل الأسلحة الصغيرة، والصواريخ القادمة من إيران»، وتعلل آرون شتاين ذلك بأنه ما دفع الحوثيين إلى ما هو أبعد من مجرد تمرد يمني، ليتطور الأمر إلى تهديد إقليمي كامل للأمن، كل هذا كان يحدث جنبًا إلى جنب مع حربٍ دائرة أخرى بين القيادة الأمريكية وتنظيم القاعدة في اليمن.

 

تاريخ تنظيم القاعدة في اليمن وبداية سقوطه

يشير الباحث "بن واتسون" إلى أن هناك العديد من الإرهاصات التاريخية التي سبقت الحرب بزمن، إلا أنها كانت سببًا رئيسًا فيما وصلت إليه الأمور الآن، كان أولها تحول اليمن إلى بؤرة للتطرف منذ الحرب الأهلية الأفغانية، والتي انتهت عام 1990؛ إذ استخدمت القيادة الأمريكية، وعلى مدار خمسة عشر عامًا، في أفغانستان طائرات بدون طيار في المقام الأول، لقتل مقاتلين أجانب منحدرين من اليمن، وهم من يعرفون الآن باسم (القاعدة) »، مُضيفًا أن ما تشهده اليمن الآن من حرب داخل حرب، هي واحدة فقط من الخطوط العريضة للواقع اليمني اليوم.

 

(وثائقي عن تنظيم القاعدة في اليمن)

«كان اليمن وجهة للتهريب والهجرة في منطقة القرن الأفريقي»، هذا ما قاله المحلل السياسي "ارتربيري" مُشيرًا إلى أن سياسة الإفلات من العقاب كانت هي السائدة في اليمن في تسعينات القرن الماضي؛ إذ كان المهاجرون يدخلون مباشرة من الصومال، إلى محافظة شبوة في جنوب اليمن مع بعض التحايل على الحدود البحرية، وهو الأمر الذي انعكس في الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد عام 1994؛ إذ فتحت الأبواب أمام حفنة من المهاجرين، كان أغلبهم من الجهاديين العائدين من أفغانستان، والذين تم استخدامهم حينذاك من رجال الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ضد الجنوب الاشتراكي، وذلك حتى انتهاء الحرب الأهلية لصالح النظام الحاكم.

 

تقول "إيونا كريغ"، الصحافية المستقلة، والتي عاشت في اليمن لسنوات: «إن تنظيم القاعدة كان يعود بفائدة مادية على الدولة اليمنية، مُشيرة إلى أن كون التنظيم يشكل تهديدًا واضحًا للبلاد، كان يتم ترجمته في شكل أموال قادمة للدولة من خلال المساعدات لتمويل الحرب على الإرهاب، والتدريب العسكري، والمعدات الحربية»، وهو الأمر الذي جعل مهمة حصر الأموال التي استولى عليها صالح من اليمن، بحسب إيونا، مهمة صعبة؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أنه قد سرق شخصيًا 60 مليار دولار خلال فترة حكمه التي دامت حوالي 33 عامًا، كانت معظمها أموالًا أمريكية دُفعت لتمويل الحرب على «تنظيم القاعدة»، بحسبها.

أما "إليزابيث كيندال" الباحثة في الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أكسفورد، والتي قامت بزيارة اليمن عدة مرات على مدار سنوات، فتقول: «إن التحالفات مع القاعدة، والصفقات المشبوهة شيئًا اعتياديًا داخل اليمن»، وتضيف: «قد يكون تنظيم القاعدة في اليمن لم ينجح عبر السنوات في الاستيلاء على الأرض، إلا أنه تمكن من تكوين تحالفات قوية مع القبائل، خاصًة في مرتفعات البيضاء ؛ فهم يقاتلون العدو نفسه – مُشيرة إلى الحوثيين – إلا أن الفرق الوحيد يكمن في أنهم من يلوحون بالأعلام السوداء».

في السنوات الأخيرة قامت "كيندال" بتحويل دراساتها نحو استئناف نشاط القاعدة في اليمن، والذي يمثل واحدة من مشكلات اليمن المزمنة، وما اكتشفته هو أن التنظيم في اليمن يمتلك نفوذًا على كميات هائلة من الأراضي، هذا إضافةً إلى دعم العديد من الأهالي المُسلحين جيدًا، والمعتادين على القتال، وعلى الموت، كل هذا إلى جانب لا مبالاة الحكومة اليمنية، ودور المجتمع الدولي في ترسيخ الديكتاتوريات الفاسدة بحسبها، فالتنظيم يستثمر فيما فشل فيه المجتمع الدولي في اليمن.

وأشارت إلى أن مشروعات التنمية التي تم تنفيذها في اليمن من قبل منظمات المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، كانت تتم من خلال الهياكل الحكومية، وهو ما جعلها متماشية مع الأنظمة الفاسدة التي كرهها الجميع، وكانت النتيجة هي استنزاف الكثير من الأموال، دون فائدة تذكر.

إن ما لاحظته كيندال من خلال مقابلاتها مع القادة المحليين في مدينة المكلا اليمنية التابعة لإقليم حضرموت، هو أنهم وعلى الرغم من كرههم للقاعدة ورجالها، وبحثهم الدائم عن وسائل للتخلص منها، لكنهم على صعيدٍ آخر يكنّون للقاعدة الاحترام، نظرًا للمساعدات الدائمة التي يقدمها التنظيم للأهالي، والتي كان آخرها حل مشكلة المياه في القرى.

 

صعود الحوثيين في اليمن

هناك العديد من العوامل التي ساعدت في تعزيز وجود القاعدة بالدولة اليمنية، كان من بينها انتشار الفقر، وعقود من الفساد الحكومي، وست سنوات أخرى من الحرب الأهلية التي بدأت مرةً ثانية في عام 2004، والتي شهدت فيها اليمن تمردًا حوثيًا بقيادة الشيعة في محافظة صعدة الشمالية، إذ انطلقت شرارتها عندما قامت قوات على عبد الله صالح بقتل زعيمهم، والذي يؤرخه "أرتربيري" على أنه لم يكن تمردًا قويًا كما هو الحال في الآونة الأخيرة، فما الذي تغير في العشرة السنوات التالية؟ .

يروي "أرتربيري" أن ما شاهدناه في اليمن من ازدهار وصعود حوثي في السنوات الأخيرة قد جاء نتيجة لصعود الجناح المتشدد داخل حركة الحوثيين، وهو ما جعل الصراع أكثر من لعبة ثنائية، محصلتها النهائية كانت دائمًا "صفر" .

فبدءًا من وصول ثورات الربيع العربي إلى اليمن؛ إذ تم خلع الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن السلطة، وتعيين نائبه عبد ربه منصور هادي رئيسًا للبلاد، تمكن الحوثيون من السيطرة على جزء كبير من المرتفعات الشمالية المركزية، والتي يبدو أنها كانت خطوة قد قام باستغلالها جيدًا الرئيس السابق صالح، بحسب أرتربيري.

أما "إيونا كريغ" الصحافية المستقلة، فتروي عما كان يتردد في اليمن في تلك الفترة من اعتزال صالح للعمل السياسي، وتفرغه لكتابة مذكراته في هدوء، مُشيرًة إلى أنه لا يتماشى مع ما كان يحدث خلف الكواليس على أرض الواقع؛ إذ استمر صالح رئيسًا لحزب المؤتمر الشعبي العام، كما نال حصانة شديدة ضد الملاحقة القضائية، وقد سمح للحوثيين في تلك الفترة بحكم الشمال، أو على الأقل بالتعاون معهم، إذ أمدهم بالأسلحة والعتاد، والصواريخ الباليستية، وبدخول الحوثيين صنعاء في عام 2014، ظن صالح أن حظوظه قد تبدلت، وأنه قد عاد مجددًا إلى المسرح السياسي اليمني، ولكن هذه المرة إلى جانب المتمردين.

 

 

(فيلم وثائقي عن صعود الحوثيين إلى السلطة)

تصف "كريغ" يوم سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين قائلة: «كان الموالون للرئيس السابق على عبد الله صالح في المصالح الحكومية هم من سمحوا للحوثيين بالسيطرة على مراكز الإدارة الحكومية في البلاد، لتسقط صنعاء في النهاية بين أيديهم»، مُشيرة إلى أنهم «قد سيطروا على المدينة صنعاء بلا قطرة دماء واحدة؛ لأنهم لم يضطروا إلى ذلك، وهي خطوة بالغة الذكاء من قبل حلفاء صالح – الحوثيين – ولكنها على الجانب الآخر قد جنبت المدينة معركةً دامية».

إلا أن الحوثيين في نهاية الأمر قد أردوا ما هو أكثر من العاصمة صنعاء، فعلى الرغم من توقيعهم على عريضة الهدنة في سبتمبر (أيلول) من نفس العام، لكنهم قد بدأوا في اتخاذ خطوات جادة نحو المسير جنوبًا؛ فقتلوا واستولوا على الأراضي تحت راية مكافحة تنظيم القاعدة بحسب الورقة البحثية، أمام الشعب اليمني في تلك الفترة، فلم يكن متأكدًا من الخيار الأمثل الذي عليه أن يتخذه لمجابهة التقدم الحوثي الجنوبي، وفي عام 2015 كان الحوثيون يطيرون فوق عدن، ويسيطرون على المطار الخاص بالمدينة، وهو ما أدى بالرئيس عبد ربه منصور هادي للفرار من وطنه، متوجهًا إلى الأراضي السعودية المجاورة.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
793
عدد (793) - 14 نوفمبر 2017
تطبيقنا على الموبايل