آخر تحديث :الاثنين 06 ديسمبر 2021 - الساعة:06:45:08
الجابري..هذا الديمة الماطرة
(الامناء/خاص:)

بقلم :  فهمي غانم

كيفَ تتّفقُ السُقيَا الأدبية في عطاءاتها مع مفهومِ الإرتواء فيتّخلّل سُقاها جداولَ الحياة وتكون مصدراً من مصادرَ الخيرِ والزّاد الثقافي ومتوالياته الإبداعية..
هكذا كانَ الأديبُ المثقف الشاعر المربّي الأستاذ أحمد محمد الجابري أحدَ عطاءات وإستبطانات الوعي الجمعي لمجتمع عدن المدني ورمزاً من رموز  الحركةِ الأدبية فيها.. 
كانَ الجابري أطالَ الله في عمره ومازال ديمةً ماطرة أسقتْ فيافي الثقافةِ والادب وكان أحدَ حالاتِ الإنسيابِ المرن للبناءِ الفوقي الذي عُدّ الإتجاه الموازي لمستوى الوعي وحركته وديمومته وتغلغله في النسيجِ العام للمجتمع ومحاكاة للواقعِ وتعبيراته السياسية والثقافية والأدبية والفنية وصعود النَّفَس العالي في التعبيرِ عنه..
كان الشاعرُ الاديب أحمد محمد الجابري نتاجاً لهذا التراكم النوعي وحالة الوله المشبّع بروحِ الأدب وامتلاكِ نواصيه للصعود إلى مداركه بكلِّ حرفية ومهارة..لم يكنْ مقلّداً بل فنّاناً حرفياً إمتطى صهوةَ الشعر وتملَّكه فكان كمشكاةٍ متوّهجةٍ نزعته برفقٍ  ولينٍ من حقلِ الأرقام والحسابات المجرّدة  الى حقلِ الأحاسيس والمشاعر والمآلاتِ الإنسانية..
الاستاذ أحمد الجابري عكس إستلهمات العصرِ الذهبي لمدينة عدن وطوّقَ بأكاليل الغار رقبةَ مدينته وزيّنها بعقدٍ مرًصعٍ بالبشارةِ والطرب فكان أحد الإرهاصات المتقدمة في سلّم الوعي ودلَّ على ذالك ديوانه (عناقيد ملوّنة) حيث القدرة البلاغية والحدس الرومانسي كقفّازٍ ناعمٍ لشخصيةٍ بالغةِ الجمال والتأثير الحسّي والمعنوي..
كلماتُ الجابري لاتُقذف في الهواء قذفاً بل تتصيّدُ المعاني الأنيقةَ في بنيةِ عدن الثقافيةِ والأدبية في سرديةٍ شعريةٍ تفرّد بها الشاعرُ وغذتْ أحدَ عنوانينه الرافعة له في مجالِ الشعر الغنائي..
هو إبنُ المدينة عدن لكنّه كان إبناً وفياً لجذورِ القريةٍ اليمنية الذي امدّته بمناخها الدافئ وقاموسها وتعابيرها ومفرداتها المتناثرة في أشعاره ومزجَ ذالك كلّه في إتساقٍ ذهنيٍ ومعرفي ووعي أصيلٍ لماهيةِ وأهمية هذا التصوير البديع لأنساقِ الكلام الجميل وتموضعاته في وعي وثقافةِ فنّانِ الشّعر الغنائي للشاعرِ الجابري..*

المطرُ يسكبْ..
مويفيد تصربْ..
والذئابُ تقربْ..
هرّبوا جاالليل..

ريتنا مثلكْ..
كلُّ شئ تملكْ..
مازرعته لكْ..
هرّبوا جاالليل..

المحيطُ البيئي الجميل  للسنابلِ الممتدّة بينَ الحقولِ والجهيش الأخضر التي ترسمُ كلوحةٍ سرياليةٍ غايةٍ في الجمالِ كيفَ استطاع الجابري بذكاءٍ فطري أن يجعلها تنسابُ إلى دواخلنا فتنعشُ فينا أجواءَ القريةِ المشبّع بالأداء الملحمي الحميمي لسواعدِ الفلاحين والفلاحات وهم يسطّرون لحنَ الحياة على الأرض المعطاة وملحُ الأرض غائرٌ ملامحه على تلكَ الوجوهِ السمراء عاشقةِ الأرض..
من يستطيع أن يترّجم مثل هذه الأحاسيس للشاعر غير الفنّان الشعبي الكبير محمد مرشد ناجي..*

أخضر جهيش مليان حلا عديني..
بكّر غبش شفته الصباح بعيني..
يملي الجرار ريقَ النّدّى رحيقه..
ياليتنا ظلّه شسير خلاله..
قلبي كرب وزاد من كاريبه..
كيف يصطّبر والناس تشوف حبيبه..
لا هو قدر ولا وصل رسوله..
يعطي الجواب كيف الهوى قولوا له..

التراكمُ الحضاري الذي شهدته عدن على صعيدِ نوعية التغييرات والإنفتاح على الآخر هو الذي ولّدَ حالةً من الإستقامةِ الفكرية والثقافيةِ الصحية التي أنتجتْ مدينةً للنور إسمها عدن وشكّلت إحدى منعطفات التغيير الراجح في الإقليم والمنطقة العربية..
هضم الشاعرُ الأستاذ أحمد الجابري المتوالياتِ الثقافيةَ والأدبيةَ والفنية وانتجَ شعراً لانحسُ معه بتقادمِ الكلمات ولا بِقدم المعاني بل بأحاسيس مرنّمةٍ عابرةٍ للزمن واكتسبتْ معها خبرةً إضافية وروحية متجدّدة ونلحظُ ذالك لدى المتلقين الذين يتماهون معها وكأنها قيلت في اللحظة..
وهذا الفنّانُ الكبير أحمد بن أحمد قاسم نقلَ الصورةَ بصورةٍ سبَرَ فيها عواطفَ الشاعر الجابري وتفاعلَ معها وقدّم طرباً عاطفياً ممتعاً لايقدمْ عليه الا الكبارُ من أمثاله..*

           الميْ والرملة..*
           تشهدْ على حبي..
           نبلة على نبلة..
           مغروزة بجنبي..
           
          باذكرك بالبحر..
          والليل في صيرة..
        واخاف عليك الجسر..
          يفلت من الغيرة..
          الميْ والرملة..

 كأنَّ الشاعرَ المرهف هنا لم يكتفِ بالكلمات كشعر ولكنه أنتجَ نوعاً من الكلام المموسق فحقّقت شروط بقاءها في مجالها الحيوي الشعري فليس هناك إنقطاع أو فاصل زمني بينهما فخرجَ الكلام كأنّه لحنٌ موسيقى وخرجَ اللحنُ كأنّه شعرٌ جميل..
لم تنتجْ عدن ثقافةً مقولَبة جامدة بل أنتجتْ ثقافةً ديناميكية بأفقٍ واسع في منظوره وقناعاته ورسختْ من فكرةِ التنّوع وقبولِ الآخر أو سياسياً واجتماعياً وثقافياً وإنسانياً عكس نفسه على مستوى راقٍ من الأداء فكان البناءُ الفوقي قائماً على قاعدةِ التنوّع المعرفي والثقافي والسياسي واحترام حرّية الإنسان من حيث هو إنسان كائن وهو إنعكاسٌ لعقلٍ ثقافي جمعي ناقدٍ هو الذي ساعدَ على أن تكونَ عدن منارةً مُضيئةً ومنصةً ثقافيةً جاذبة يُشدُّ اليها الرحالُ فكانتْ إستلهاماً ثقافياً ميّزها  لأنْ تصبح قابلة للتنافسِ الشريف الذي يضيف ويوسٌع الدائرة وكان الشاعر الأديب المثقف المجد أحمد الجابري عنصراً فاعلاً في منظومةِ الأداء ولحناً في سيمفونيةِ الإبداع  الذهبي الذي اشاع نوره في الآفاق..
قصيدته (إليها) أو ( لاتخجلي)الذي غنٌاها الفنّان الكبير محمد مرشد ناجي وأعطاها بُعداً إبداعياً مُميزاً فسجّلَ بذالك قفزةً نوعية في مجالِ الأغنية الموقف او أغنية الرأي*

لاتخجلي ودعي الخمار دعيه لاتتصنعي..
أيَسُوء أنّي طلبتُ الهوى بتسّرعي..
وخشيت أهلك إن درو أن قد أتيتِ هنا معي..
تتحدثينَ عن الهوى ماأنتِ إنْ لمْ تصنعي..
فالحبُّ أن أدعوكِ جهراً كي أريك توجّعي..
يغفوا على عيني ويصحو مرة في مدمعي..
ماذا إذا زعموا الهوى إثماً بما لاندّعي..
ماانتِ او كنتِ آخر منْ تعي..

كلماتٌ جريئة ولكنّها مدروسة ليس دعوة للسفورِ  بشكلٍ مباشر ولكن دعوة للحياة للحبِّ الإنساني وإعلاء قيمه والتنقيب عن المسكوتِ عنه إجتماعيا..
نحن نقرأ ونتابع نحسُّ مدى الترابط الموضوعي وعناصر التشويق الدرامي فالجملةُ الشعرية هنا في حالةِ مقاربةٍ ذهنية مع الجملةِ الّلحنية وهو مما زاد ألقها وصعد بها الفنّان الكبير محمد مرشد ناجي إلى مصاف الريادة العاطفية والشجن اللذيذ..
وفي ترنيمة اخرى مما نسميه بوعي المشهد استوقف شاعرنا الجابري مشهد الفلاحات الغاديات الرايحات وهنَّ يجلبنَ الماء من بئر (أملح) أحد أوديةِ الراهدة..فانسابت إلى وجدانه صدى أصواتهن الهامس  كقطراتٍ من ماءٍ زُالال وبقايا ندى يمسحُ وجه الصباح وهنَّ كقمارى السّحاب يتناجينَ ويتبادلنَ معسولَ الكلام..(فكانت ياصبايا  فوق البئر)
من إفرازات  الحالة الإبداعية واللقاء الروحي بين الشاعر الكبير أحمد محمد الجابري والفنان الكبير أيوب طارش..*  

يا صبايا فوقَ بئر الماء والدنيا غبش..
منْ يُسقّي في الهوى قلبي
ويروي لي العطش..
وينفس الشاعر أكثر في لوعته..
الهوى متى يلّوعني ويضنيني الانين..
من لقلبي ياصبايا
واشتري عمر السنين..

يرتفعُ نبرةُ الشاعر وهواه  الوجداني وتتصاعد إنفعالاته..

كمْ شجاني في الهوى
طيبُ الأماني والوعود..
وارتوى العشاقُ من دمعي
ندى كلّ الورود..

هذا هو الأستاذ أحمد محمد الجابري أحدُ عطاءاتِ عصره الزاهر تضخُّ فينا حروفُ قصائده إنتعاشاً أدبياً يعيدُ تموضع حالاتنا الإنفعالية بينَ الأسى والشجن والخذرِ اللذيذ..

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
حصري نيوز