آخر تحديث :الخميس 16 سبتمبر 2021 - الساعة:12:43:53
اختلاف النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأثره على مشروع الوحدة بين الشمال والجنوب
(الأمناء نت / د. ربيع علي طاهر :)

يرى بعض الساسة أن الوحدة بين الشمال والجنوب فشلت منذ العام 1994 م بسبب الحرب الظالمة وما مورس بعدها من مظالم بحق أبناء الجنوب .

وهذا الرأي منطقي يدعمه الواقع الذي عاشه الجنوب ابان تلك الحرب الظالمة التي حولت الوحدة إلى احتلال .

لكنني أرى أن هنالك عوامل أساسية تكمن وراء فشل مشروع الوحدة بين الشمال والجنوب ،وهذه العوامل يمكن إرجاعها إلى اختلاف النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت سائدة في الشمال والجنوب قبل إعلان الوحدة عام 1990 م ؛ إذ لم تراع عند إعلان الوحدة الفوارق بين المجتمعين الشمالي والجنوبي.

فكان إعلان الوحدة تصادماً بين المجتمعين وليس اتحاداً.وفيما يأتي بيان هذه الفوارق.

أولاً:النظم الاجتماعية:

نقصد بالنظم الاجتماعية القواعد والمبادئ التي تنظم حياة الناس وسلوكهم في مجتمع معين ؛كالأسس الخاصة بالعادات والتقاليد والتعامل بين أفراد المجتمع والتوزيع السكاني وطرق المعيشة وغير ذلك .

ويلاحظ أن الاختلاف بين مجتمع الشمال ومجتمع الجنوب يكمن في أمور عديدة؛ أهمها :

القبيلة حيث تعد القبيلة في الشمال الوحدة الأساسية للمجتمع وأساس التقسيم الاجتماعي فيه. وبحسب كتب التاريخ فإنه يوجد في الشمال أكثر من 168 قبيلة منها 20 قبيلة كبرى ؛ أشهرها حاشد وبكيل والزرانيق . كما أن للقبيلة في الشمال نفوذها الذي يمتد إلى داخل السلطة. وتملك القبيلة السلاح والثروة والنفوذ الذي يمكنها من التصرف بشئون الحكم .كما أن هنالك قبائل في الشمال مازالت تعيش بمعزل عن السلطة وتتخذ من السلب والتقطع وسيلة للكسب ؛كما هو معروف في الجوف ومأرب.ويبدو أن النظام في صنعاء كان يعول على القبيلة في صراعه مع الجنوب ؛وهو أمر أدى إلى تقوية النفوذ القبلي في الشمال إلى الحد الذي يصعب معه التخفيف من ذلك النفوذ القبلي .

وفي الجنوب كان للقبيلة حضورها كوحدة اجتماعية لكنه حضور يختلف عن الشمال ؛ فلم يكن وجود القبيلة في الجنوب إلا وجوداً اعتبارياً ؛أي بغرض سهولة التواصل والتعارف بين الناس . أما بعد ذلك فقد عرف الناس في الجنوب الحياة المدنية.وقد استعان النظام في الجنوب _ عوضاً عن القبيلة_ في صراعه مع الشمال بالميليشيات الشعبية ؛وهي تتألف من عامة الشعب تخضع للإشراف المباشر من الدولة.

ويمكن الإشارة إلى قضية أخرى تتعلق بالجانب الاجتماعي ؛وهي عدد السكان؛ حيث كن عدد السكان في الشمال قبل إعلان الوحدة يفوق 13 مليون نسمة ؛يتوزعون على مساحة جغرافية تبلغ 190 كيلو متراً مربعاً ؛بينما كان عدد السكان في الجنوب لا يتجاوز مليوني نسمة ؛ يتوزعون على مساحة جغرافية تبلغ 365 كيلومتراً مربعاً.

وواضح مما تقدم أن المجتمع في الشمال كان قبل الوحدة قد وصل إلى مرحلة الانفجار السكاني ؛ فوجد الشماليون في الجنوب متنفساً لهم ؛ إذ كانت معظم المساحة في الجنوب خالية من المباني نظراً لقلة السكان ؛ فوفد أبناء الشمال إلى الجنوب فاستولوا على معظم المساحات وشيدوا فيها بنايتهم ،وهي بنايات تم إنشاؤها على الطراز المعماري الشمالي ؛ وهذا أمر أدى إلى طمس جزءاً كبيراً من هوية معالم الجنوب .كما انتشر – نتيجةً لكثرة أبناء الشمال في الجنوب _ انتشر كثير من العادات الاجتماعية التي لم تكن معروفة لدى أبناء الجنوب ؛وبعض هذه العادات لم يكن أبناء الجنوب يرغبونها خصوصاً العادات السلبية ؛ كالتقطع والثأر والنفوذ والوجاهة والسجون الخاصة وغيرها؛وهذه الأمور لم تكن معروفة في الجنوب قبل الوحدة.

ثانياً : النظم الاقتصادية

نقصد بالنظم الاقتصادية تلك المبادئ المتعلقة بإدارة اقتصاد بلد معين ،وإدارة الثروة الاقتصادية.

ولا يخفى على أحد ما كان من التباين بين النظام الاقتصادي في الشمال والنظام الاقتصادي في الجنوب ؛ فالاقتصاد في الشمال كان يتحكم به القطاع الخاص بنسبة كبيرة. بينما كان الاقتصادي في الجنوب تتحكم به الدولة.هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الثروة في الشمال كانت بيد رجال القبائل والتجار؛(أي أنها ثروة استفدت قبل إعلان الوحدة)؛لأنها صارت مملوكة بيد شخصيات رجال القبائل والتجار وحتى رجال السلطة.بينما حافظت الدولة في الجنوب على الثروة فجاءت الوحدة والثروة في الجنوب مازالت مشاعاً عاماً غير مملوكة بيد الأشخاص .

وبفعل ذلك هيمن الشماليون على الثروة في الجنوب على طريقتهم ولم يجد الجنوبيون _ في الشمال_ شيئاً من الثروة يتقاسمونه مع الشماليين.

ثالثاً : النظم السياسية

هي النظم الخاصة بإدارة شئون البلد ورسم سياسته وأسسه من الناحية السياسية داخلياً وخارجياً.

ومن يستقرئ تاريخ الشمال والجنوب يدرك حجم التباين في النظام السياسي بينهما؛ إذ كانت السياسة الإعلامية للشمال موجهة ضد الجنوب وكذلك العكس.

كما أن علاقة الحاكم بالشعب في الشمال كانت تتم عن طريق وسيط هو شيخ القبيلة ؛ فلم تكن تلك العلاقة مباشرة ، فالحاكم يضمن ولاء جماعة من أفراد الشعب، إذا ضمن ولاء الشيخ ، ولعل الانتخابات التي تمت في الشمال والصراعات السياسية وعزل الحكام خير دليل على تدخل شيوخ القبائل بشئون الحكم.

أما في الجنوب فكانت العلاقة بين الحاكم والشعب علاقة تتم من خلال مؤسسات الدولة المحلية.

ولعل اختلاف قيادة الجنوب وقيادة الشمال عقب إعلان الوحدة ؛فيما يتعلق بالموقف من غزو العراق الكويت ؛ دليل على اختلاف رؤى تلك القيادة؛ بل أن هذا الموقف يمثل باكورة الصراع بين قيادة الشمال والجنوب بعد الوحدة.

ويمكن القول إجمالاً إن اختلاف النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسة بين الشمال والجنوب أسهم في إجهاض مشروع الوحدة وحول الاتحاد إلى تصادم بين هويتين ثقافيتين مختلفتين كماً وكيفاً.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
حصري نيوز