آخر تحديث : الأحد 2019/09/22م (00:32)
حجم التظاهرات الأخيرة أثبت أن نسبة كبيرة من الجنوبيين تريد الانفصال عن اليمن ..
موقع قناة أمريكية : وحدة أم غزو قبائل الشمال للجنوب؟
الساعة 02:52 PM (الأمناء نت / الحرة / د. عماد بوظو :)

لكلمة الوحدة وقع خاص عند أغلب العرب لاعتقادهم أن سبب ضعفهم وهزائمهم هو تفككهم لدول صغيرة، مع أن الكثير من الدول الصغيرة تمكنت من تأمين حياة عزيزة وكريمة وسعيدة لأبنائها من سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان إلى سويسرا والنمسا حتى كوستاريكا، كما أن بعض الدول الكبيرة لم تستطع أن تقدم لأبنائها الرفاهية ولا الكرامة مثل إيران وروسيا. ونجحت الحركات القومية في ترسيخ هذه القناعة عند الشعوب العربية مع أن هذه الحركات لم تجلب لشعوبها سوى أسوأ الأنظمة وأكثرها إجراما.

أعادت أحداث اليمن قضية الوحدة للواجهة والنقاش، بعد خروج عشرات آلاف الجنوبيين في تظاهرات حاشدة للتعبير عن رفضهم للبقاء في كيان سياسي واحد مع جارتهم الشمالية. هذه الرغبة ليست وليدة الساعة، بل برزت منذ اليوم الأول لوحدة مصطنعة لم تعايش الأجيال الجديدة ظروفها وملابساتها.


فقبل بضعة عقود كانت المناطق التي عرفت فيما بعد باسم اليمن الجنوبي مجموعة سلطنات وإمارات ومشيخات مثل بقية سواحل الخليج والجزيرة العربية، وكان سكانها تجارا وصيادي أسماك ورعاة. وجعلهم موقع مناطقهم الجغرافي على البحر على تواصل دائم مع العالم الخارجي خصوصا خلال 139 سنة من الاحتلال البريطاني برزت فيه عدن كمدينة عصرية وواحدة من أهم موانئ العالم، وشمل تأثيرها الثقافي محيطها في الجنوب العربي.

في المقابل، كان سكان الشمال فلاحين ورعاة ومحاربين، يعيشون في شبه عزلة عن العالم الخارجي، وينقسمون إلى عدة قبائل ومذاهب، وعندما كانت تقوى شوكتهم كان الجنوب العربي هو المكان المفضل لغزواتهم، بحيث طبعت الحرب شكل العلاقة بين الشمال والجنوب لقرون عدة.

في بداية عام 1959 شكلت بريطانيا اتحاد إمارات الجنوب العربي، ثم مع تحول اليمن "الشمالي" إلى النظام الجمهوري عام 1962 تم تغيير اسم دولة الجنوب إلى اتحاد الجنوب العربي، في هذا الوقت كانت حركة القومية العربية في أوجها وانعكس ذلك في فكر بعض القيادات السياسية الجنوبية التي كانت تكافح من أجل الاستقلال وتحلم ببناء دولة قوية.

لم يكن أمام هؤلاء من يحققون معه الوحدة سوى الجارة الشمالية "الجمهورية اليمنية"، فأطلقوا على حركتهم عام 1964 اسم جبهة تحرير جنوب اليمن، ورغم أن هذه التسمية تشير إلى موقع جغرافي ولا تعني بالضرورة أن هذا الإقليم جزء من اليمن، ولكنها مهدت الطريق إلى ذلك عندما جعلت الدولة الوليدة تحمل بعد الاستقلال اسم جمهورية جنوب اليمن والذي تحول فيما بعد إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

وفي نهاية الثمانينيات عندما احتدم الصراع على السلطة بين "الرفاق اليساريين"، حكام الجنوب، والذي ترافق مع مؤشرات على قرب انهيار الاتحاد السوفياتي الداعم الرئيسي للنظام، لم يجد بعض قادة الجنوب أمامهم من خيار سوى إطلاق مفاوضات للوحدة مع الشمال، انتهت إلى ارتجال وحدة برئاسة علي عبد الله صالح عام 1990.

ومن الأمور اللافتة حينها، أن ياسر عرفات كان الزعيم العربي الوحيد الذي حضر احتفالات إعلان هذه الوحدة، هو نفس الرئيس الذي أيّد بعد بضعة أشهر "وحدة" مشابهة وهي احتلال صدام حسين للكويت، كما أن الجمهورية اليمنية الجديدة كانت العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن رفضت التصويت على قرار يقضي بانسحاب العراق من الكويت.

من الممكن إجراء استفتاء تحت إشراف دولي لمعرفة ما يريده الجنوبيون
ربما اعتقد بعض الحالمين من اليساريين والاشتراكيين الجنوبيين أنه باتحادهم مع الشمال سيتمكنون من نشر أفكارهم في الشمال عبر افتتاح مكاتب لحزبهم هناك، ولكن ما حدث هو أنه خلال ثلاث سنوات تم اغتيال 158 سياسي من قيادات الحزب الاشتراكي من قبل إسلاميين أو جهاديين، ووجّهت اتهامات للحكومة اليمنية بأنها لم تبذل جهدا كافيا لملاحقة ومحاكمة القتلة، بل كان رجال دين من الشمال يكفّرون أعضاء الحزب الاشتراكي علنا.

وفي الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 1993 تحالف حزبا المؤتمر والإصلاح الشماليان ضد الحزب الاشتراكي الجنوبي فخسر الانتخابات وتم إبعاده عن العملية السياسية، ولم تكن هذه النتيجة مفاجئة فعدد سكان الشمال أكبر بمرات عدة من سكان الجنوب، خصوصا أن العامل الأساسي لتحديد نتائج الانتخابات كان التقسيمات القبلية والمذهبية وليس حسب البرامج السياسية.

اعترض قادة الجنوب على نتائج الانتخابات وطالبوا بتقاسم السلطة مع الشماليين فرفض علي عبد الله صالح، وسرعان ما بدأت الحرب بين البلدين عام 1994 التي تمكن خلالها جيش الشمال المدعوم من القبائل والجهاديين من احتلال الجنوب خلال بضع أسابيع وتم إلغاء اتفاقيات الوحدة بما انتهى عمليا إلى ضم الجنوب للشمال، وأعقب ذلك مصادرة أملاك الكثير من "الاشتراكيين الانفصاليين".

منذ هذا التاريخ أصبحت رغبة الجنوبيين بالانفصال علنيّة، واستخدموا للتعبير عنها جميع الأساليب المتاحة، إلى أن تم تشكيل الحراك الجنوبي عام 2007 من قبل متقاعدين عسكريين ومدنيين تم تسريحهم من عملهم، وفي عام 2008 اعتبر هؤلاء أن بلدهم محتلا من قبل الشماليين ورفعوا شعار الاستقلال ونظموا الكثير من الاعتصامات والمسيرات، وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عام 2009 إن قوات الأمن اليمنية ارتكبت الكثير من الانتهاكات بحق الجنوبيين منها الاحتجاز التعسفي والضرب وقمع حرية التعبير والتجمع وحتى القتل.

وخلال السنوات التالية تصاعد التوتر وقتل الكثير من الجنوبيين على يد أجهزة الأمن كما قتل بعض الشماليين على يد الغوغاء من الجنوبيين، ومع الثورة اليمنية عام 2011 تمت الدعوة لمؤتمر حوار وطني حول مستقبل اليمن لبحث مختلف الملفات بما فيه القضية الجنوبية، وحدثت عدة مصادمات بين المؤيدين للحراك الجنوبي والأمن، ولكن الانقلاب الحوثي والتدخل العربي دفع الجنوبيين لتأجيل مطالبهم بالانفصال حتى الانتهاء من التمرد الحوثي، ولكن عندما اتضح أنه لا توجد نهاية قريبة لهذا الصراع تحرّك الجنوبيون مجددا للتأكيد على حقهم في دولة مستقلة.


حجم التظاهرات الأخيرة أثبت أن نسبة كبيرة من الجنوبيين تريد الانفصال عن اليمن، وبدل الخوض في جدل عقيم حول حجم التأييد الشعبي للانفصاليين، من الممكن إجراء استفتاء تحت إشراف دولي لمعرفة ما يريده الجنوبيون. فالدول الحديثة العصرية تقوم استنادا إلى توفر الإرادة والرغبة الحرة لأبنائها في الانضمام إليها، وتقديم ضمانات للجنوبيين بأن حقهم في تقرير المصير مشروع وغير خاضع للمساومة قد يدفع باتجاه استمرار مشاركتهم في مواجهة المشروع الإيراني في اليمن.

وربما من الأفضل لأصحاب الشعارات القومية بدل الطلب من الجنوبيين البقاء في اليمن باسم "الوحدة"، أن يركزوا جهودهم على بناء دولة حديثة موحدة في الشمال تقوم على مبدأ المواطنة كبديل عن رابطة الدم في النظام القبلي الحالي الذي لم يجلب لليمن سوى الحروب. وهذه دولة لا يمكن بناءها بدون آليات ديمقراطية، إذ لا توجد وحدة ولا ازدهار ولا قوة أو منعة بدونها.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
1035
عدد (1035) - 19 سبتمبر 2019
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
تطبيقنا على الموبايل