آخر تحديث :الاثنين 25 مايو 2020 - الساعة:01:15:09
قصة من الماضي الجميل.. ونعم أجر العاملين..!
("الأمناء نت "/ كتب/ محمد مرشد عقابي:)

 اليوم نحكي لكم اعزائي القراء الأكارم قصة عظيمة بطلها سعيد بن الحارث، تلك الحكاية التي يقشعر منها البدن من هول فضاعتها، هذه القصة العظيمة روأها هشام ابن يحيي الكناني سنة 38 من الهجرة، فعن رافع ابن عبد الله قال : قال لي هشام ابن يحي الكناني لأحدثنك حديثاً رأيته بعيني وشهدته بنفسي، قلت حدثني يا أبا الوليد قال : غزونا أرض الروم سنة 38 وكنا رفقه من أهل البصرة وأهل الكبيرة وكنا نتناوب الخدمة والحراسة وإعداد الطعام كان معنا رجل يقال له سعيد بن الحارث ذو حظ من عبادة يصوم بالنهار ويقوم الليل وكنا نحرص على تخفيق النوبة عليه وذلك لطول قيامه بالليل وكثرة صيامه بالنهار

فكان يأبى إلا أن يقوم بجميع المهمات وما رأيته في الليل ولا في النهار إلا في حالة جد واجتهاد، فأدركني وإياه النوبة ذات ليلة في الحراسة وكنا قد حاصرنا حصناً من حصون الروم فاستصعب الأمر علينا ورأيت من سعيد في تلك الليلة من الجلد والصبر والإحتساب على العبادة ما جعلني أحتقر نفسي إنه فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فلما أصبح الصباح ولم ينم قلت له : خفف على نفسك وهون عليها، فلنفسك عليك حق والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إكتفوا من العمل لما تطيقون).
فقال لي : يا أخي إنما هي أنفاس تعد وعمر يفنى وأيام تنقضي وأنا رجل أنتظر الموت في أي لحظة
فبكيت من جوابه ودعوت الله لي وله بالعون والتثبيت والتمكين، ثم قلت نم قليلاً لتستريح فإنك ما تدري ما يحدث من أمر العدو
فنام تحت ظل خيمته وتفرق أصحابنا في أرض المعركة وأقمت في موضعي أحرس وأصلح الطعام فبينما أنا كذلك
إذ سمعت كلاماً يأتي من ناحية الخيمة فعجبت فليس هناك إلا سعيد نائم فظننت أن أحداً قد جاءه  ولم أره، فذهبت إلى جانب الخيمة فلم أرى أحداً وسعيد على حاله نائماً إلا أنه كان يتكلم في نومه ويضحك، أصغيت إليه وحفظت كلامه ثم مد يده وهو نائم كأنه يأخذ شيئاً ثم ردها بلطف وهو يضحك ثم قال الليلة إذا؟ ثم استيقظ من نومه وهو يرتعد خائفاً فاحتضنته إلى صدري حتى سكن وهدأ وجعل يهلل ويكبر ويحمد الله، فقلت ما شأنك؟ لقد رأيت منك عجباً فحدثني بما رأيت، قال إعفني من ذلك؟ فذكرته حق الصحبة وقلت لعل الله ينفعني بما تقول، فحدثني عما رأى في منامه.
قال : جاءني رجلان لم أرى مثل صورتهما قط، فقال الملكان : أبشر يا سعيد
لقد غُفر ذنبك وشٌكرسعيك وقُبل عملك واستجيب دعائك وعُجل لك البشرى في حياتك، فانطلق معنا حتى ترى ما أعد الله لك من النعيم، فقال سعيد : أتينا على حور وقصور وجواري وأنهار وأشجار وغلمان فأدخلوني في قصر ودور ثم انتهيت إلى سرير عليه واحدة من الحور العين كأنها اللؤلؤ المكنون، فقالت لي : قد طال إنتظارنا إياك، فقلت لها : أين أنا؟ قالت : أنت في جنة المأوى، قلت : ومن أنت؟ قالت : أنا زوجتك الخالده، فمددُت يدي إليها فردتها بلطف وقالت : أما اليوم فلا، إنك راجع إلى الدنيا، قلت : لا، لا أريد الرجوع، فقالت : لابد من ذلك، وستقيم هناك - يعني في الدنيا - ثلاثاً ثم تُفطر عندنا إن شاء الله تعالى، فقلت : بل الليلة، قالت : إنه كان أمراً مقضيا، ثم قامت من مجلسها، ثم أنا استيقظت.
وانا اسألك بالله لا تحدث بحديثي هذا واسترني ما حييت، قلت : (أبشر .. فلقد كشف الله لك ثواب عملك)، ثم قام فتطهر واغتسل ومس طيباً ثم حمل سلاحه ونزل إلى أرض القتال وهو صائم وظل يقاتل حتى الليل فلما رجع أصحابه وهو فيهم، قالوا : يأبا الوليد لقد رأينا من هذا الرجل عجباً، حرص على الشهادة وطرح نفسه تحت السهام والرماح وكل ذلك يذرف عنه، قلت في نفسي : لو تعلمون خبره لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً قال : فأفطر على قليل من الطعام وبات ليلته صائماً فلما أصبح الصبح صنع كصنيعه في الأمس وفي أخر النهار جاء أصحابه وهو معهم وذكروا عنه ما ذكروه بالأمس حتى إذا كان اليوم الثالث انطلقت معه وقلت : لابد أن أشهد أمره وأرى ما يكون فلم يزل يقاتل ويُكبد العدو الخسائر ويُنكل فيها وهو يبحث عن القتل والموت وأنا أراه وأراه بعيني ولا أستطيع الدنو منه حتى إذا نزلت الشمس عند الغروب وهو أنشط ما يكون فإذا برجل من أعداءه من فوق الحصن قد تعمده بسهم فوقع في نحره فخر سريعاً فانطلقت إليه وصحت بالناس فحملوه وبه رمق من حياة وجاءوا به يحملونه، فقلت له : هنيئاً لك ما ستفطر عليه الليلة ياليتني كنت معك فأفوز فوزاً عظيماً، فحرك يده اليسرى وأومأ ببصره وهو يقول : أكتم أمري والملتقى الجنة ان شاء الله، ثم قال كلمته الشهير التي لا تكاد تبارح مسامعي : "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوا من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين"، وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها فنعم المقام في جوار الرفيق الأعلى.

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
تطبيقنا على الموبايل