آخر تحديث : الجمعة 2017/03/31م (00:37)
في ذكرى رحيل شائف محمد الخالدي .. شاعر أحيا النقائض وحلق بأشعاره في سماء المجد
الساعة 11:55 PM (الأمناء نت / علي صالح الخلاقي:)

 

في آخر أيام العام 1998م، الحادي والثلاثين من ديسمبر، أفل من سماء الشعر الشعبي في بلادنا.. نجم من ألمع النجوم التي أضاءت بوهجها الشعري حياتنا الأدبية وطرزتها بعقود لؤلؤية من الأشعار الشعبية, بعذوبة كلماتها وسحر معانيها وتنوع مضامينها, فقد اختطف الموت الشاعر الشعبي الألمعي شائف محمد الخالدي, إثر مرض عضال ألم به عن عمر ناهز 66 عاماً, وهو في قمة نضجه وعطائه الشعري, فخسر الوطن برحيله مناضلاً وشاعراً حمل الوطن في حناياه وظل شاعرنا حتى آخر لحظات حياته مفعماً بحب الوطن والشعب ومنافحاً عن القيم النبيلة, يقول كلمة الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا أدل من ارتباطه الحميمي بالشعب والتعبير عن همومه وتطلعاته من تلك الأبيات التي قالها وهو يضاجع الموت في فراش مرضه الأخير منتقداً فيه الجرعات الاقتصادية سيئة الصيت لحكومة د.عبدالكريم الإرياني التي عانها منها شعبنا وأثقلت كاهله:

يهل المجنة وسعوا لَصْحَابكم

خلوا نسم لِنْ عادها واصل دفع

الدفعة الأولى على وشك السفر

والبعض لآخر عاده إلاَّ منتظر

ج ذي قد تذاكرهم معاهم وازعه

ذي با تجيكم من مناطق واسعه

واصل إليكم بعد جرعه رابعة

للخامسه والسادسه والسابعه

 

وهكذا كانت هموم الناس لديه أثقل من شبح الموت الذي اختطفه منا ونحن نودع عام1998م ولم نكن نعلم أنه سيودعنا فجأة، لكنها مشيئة الله، وكل نفس ذائقة الموت. وأمثاله وأن توارت أجسادهم باقون بتراثهم الخالد في ذاكرة التاريخ.

من شاعر القبيلة إلى شاعر الوطن

ولد شاعرنا عام 1932م في قرية "الجَاهْ" إحدى قرى القعيطي في الموسطة – يافع, التي تستظل بظلال جبل "ثَمَرْ" الشهير وتصب مياهه في وادي " الجَاه", ونشأ وترعرع واشتد عوده في بيئة فلاحية ومجتمع تحكمه العادات والتقاليد القبلية, ومنذ يفاعته بدأ ينسج قصائده الشعرية بعد أن تخرج من الكتَّاب "المعلامة" تدفعه إلى ذلك موهبة فذة وعبقرية شعرية متقدة, مبتدئاً سلمه الشعري كشاعر "قبيلة" فهو ابن البيئة القبلية السائدة حينها في يافع, التي لم تعرف السلطة المركزية حتى عشية الاستقلال الوطني 1967م, وظلت في منأًى عن السيطرة الاستعمارية, وتعيش أوضاعاً مضطربة في ظل حكم سلاطيني ضعيف وزعامات قبلية مشتتة وتعاني من العزلة والجهل والتخلف والفتن القبلية.

ومن شاعر قبيلة انتهى به الأمر إلى شاعر للوطن منذ أن تفتح وعيه الوطني مبكراً, وكانت عدن المدينة التي اختمر فيها وعيه الوطني بعد أن وصل إليها للعمل وهو في مقتبل عمره, وفي الوسط العمالي توسعت معارفه ونهل من مختلف الأفكار والثقافات التي كانت تموج بها عدن ونضج وعيه الوطني والقومي, لاسيما بعد قيام ثورة مصر الناصرية وتأثيرها في نمو الوعي التحرري ضد قوى الاستعمار وعملائه. وفي عدن برز الخالدي وتشكل صوته الشعري المميز الذي عكس من خلاله الرفض للوجود الاستعماري ولكل صنوف الظلم والعسف والاضطهاد, فتعرض للسجن والطرد من عدن. ويزخر شعره, منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي, بالمواقف والرؤى الوطنية المبكرة التي سيحتاج إليها كل من أراد أن يؤرخ للشعر ودوره في استنهاض الهمم والتحريض ضد المستعمر وضد الأوضاع القبلية المزرية التي شكلت عقبة كأداء أمام تطور المجتمع, حيث جرد سيف بيانه لمواجهة هذا الواقع المتخلف, وبشر بالثورة ونافح عنها, ولو أن أشعاره الوطنية وأشعار كثيرين غيره من الشعراء الشعبيين في مراحل النضال والمقاومة نشرت ولقيت الاهتمام من الباحثين والمعنيين لكانت إضافات رائعة إلى مساحة الشعر الوطني الذي عرفناه لشعراء غيرهم أمثال إدريس حنبلة وصالح سحلول وعبدالله هادي سبيت ومسرور مبروك وغيرهم.

وعندما تعرضت ثورة 26 سبتمبر للخطر, كان ضمن من استجابوا لنداء الثورة في تلك الظروف الحرجة والتاريخية, فالتحق في صفوف الحرس الوطني مدافعاً عن الجمهورية الوليدة في عمليات بطولية في معارك أرحب والحيمتين وجحانة – خولان وغيرها, وفي الجنوب المحتل آنذاك انضوى في تشكيلة جبهة الإصلاح اليافعية التي كانت من الفصائل الرئيسية التي تكونت منها الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل, وأسهم الشاعر بالسنان واللسان في معارك التحرير وكانت قصائده تؤجج المشاعر وتحولها إلى لهب من الغضب المقدس في وجه المحتل, بل إنها كانت تمثل "بيان هام" يفعل ما تعجز عنه عشرات الخطب في التأثر على الجماهير.

ومنذ تحقيق الاستقلال الوطني مروراً بالوحدة المغدورة  وحتى وفاته, ظل الشاعر الشعبي الخالدي في وظيفة بسيطة, لكنه كان شاعراً وإنساناً كبيراً عزيز النفس, لم يرض أن يتكسب بشعره, كما فعل البعض, فازداد بذلك رصيده مكانة وشعبية لدى الحاكم والمحكوم وكانت تصل إليهم كلماته وأشعاره دون استئذان, لأنها كانت تلامس هموم الناس البسطاء وهم غالبية الشعب, وتلسع بسياطها ذوي الضمائر الميتة من المسئولين الذين غرقوا في الفساد وغاصوا في وحل مصالحهم الضيقة والأنانية, ولا غرابة أن يدفع شاعرنا ثمناً لمواقفه تلك فيدخل السجن في ظل حكم الحزب الاشتراكي اليمني في الشطر الجنوبي, كما دخله في عهد الاستعمار, ولم يفل ذلك من قوة إيمانه بموقفه وإخلاصه لرسالته كشاعر ربط مصيره وشعره بالوطن ووحدته والانتصار لقضايا الشعب وقيم الحق والعدل والصدق.

وكان الخالدي من أوائل الشعراء الذين رفضوا وقاوموا نتائج تلك الحرب الظالمة، بل وحذر، بجرأته، بُعيد نشوة النصر المزعوم، وقبل أن تلتأم الجراح، من خطورة تحول اجتياح نظام صنعاء للجنوب، الذي ضحّى من أجل الوحدة، إلى احتلال وضم والحاق وتنكر لشريك الوحدة..وبشر برحيل المحتل الثاني كما وصف نظام المخلوع في زامل له عام 94م يقول فيه:

إيَّاك يا شعب الجنوب أن ترتبش

 شُفها مراحل مثلما عابر سبيل

 

ما حَدْ بها دائم على حِيْلِهْ وغَشْ

 لَوَّل رحل وآخر مُراعي للرحيل

 

وهكذا فبين بداياته الأولى أواخر الأربعينات(1948م) وحتى وفاته في 31 ديسمبر 1998م تمتد رحلة نصف قرن، بالوفاء والتمام،  من مسيرته الإبداعية الزاخرة، تميز فيها بغزارة إنتاجه وجودته. ولذلك تُعد أشعار الخالدي سجلاً للتاريخ ورصداً للحوادث والمتغيرات التي شهدتها بلادنا على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين، والتي عاشها وعايشها وأبدع في تصويرها بكلماته السلسة والقوية التعبير.

الخالدي ومساجلاته الشعرية

امتاز الشاعر الشعبي شائف الخالدي "أبو لوزة" بغزارة إنتاجه وجودته في نفس الوقت, فقد أبدع آلاف القصائد والمساجلات والزوامل منذ بدأ قول الشعر في عام 1948م, وتنوع إنتاجه بين الشعر الغزلي والشعر السياسي والاجتماعي, ويمكن اعتبار شعره سجلاً للتاريخ ورصداً للحوادث والمتغيرات التي شهدتها بلادنا على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين, والتي عاشها وعايشها وأبدع في تصويرها بكلماته السلسة والقوية التعبير.

وتشكل المساجلات مع أنداده من الشعراء الشعبيين من مختلف المحافظات معظم إنتاجه الشعري, الذي حرص على تدوينه بخطه وتوقيعه المتميز في سجلات خاصة, لاسيما منذ منتصف السبعينات, مما يسهل الدخول إلى عالمه الشعري ونشر أعماله دون صعوبة كبيرة, باستثناء معظم أشعار الفترات التي سبقت ذلك التي تعتبر في حكم المفقود حتى الآن, وقد أعاد شاعرنا في مساجلاته ما عُرف في أدبنا العربي بشعر النقائض, وهي المناظرات أو المساجلات الشعرية التي تُعرف شعبياً بقصائد "البِدْعْ والجَوَاب" والتي كان "أبو لوزة" واحداً من فرسانها المقتدرين, الذين لا يشق لهم غبار, فقد أبدع وبرع فيها وهو يخوض غمار المواجهة والمنازلة مع العشرات من ألمع الشعراء الشعبيين من مختلف مناطق اليمن, قبل وبعد الوحدة, ممن تبادلوا معه مساجلاتهم الشعرية نذكر من ابرزهم: يحيى احمد البرق المفلحي,محمد عبدالرب العروي, أبو صالح المشوشي, موسى أحمد الخضيري، سعيد يحيى المحبوش, صالح ثابت الحيدري, علي عبدالقادر البكري, عبدالله محمد لشطل, سالم قاسم علي عوذلي, السيد قاسم محمد, أحمد محمد الصنبحي, احمد عبدربه المعمري, عبدالله صالح العلفي, محمد عبدالله بن شيهون, أحمد حسين عسكر, محمد سالم الكهالي, يحيى علي السليماني, منصر عبدالله القاحلي, السيد عبدالله علوي "خُو عزي", فريد احمد جوهر البيحاني, علي حسين البجيري, علي عبدالله الغلابي, عبدالله عمر المطري، صالح حسين العمري, محمد صالح الوزير العصري, ناصر سعد الصومعي, يحيى محمد الفردي، عبدالرحمن الشامي، علي الجرادي, علي محسن الهندي، صالح ثابت الحيدري, محمد عاطف بن متاش، عمر علي الخلاقي وعشرات من الأسماء اللامعة في ميدان الشعر الشعبي.

الخالدي.. شاعر جواب

كان الخالدي في معظم مساجلاته الكثيرة والمتعددة مع الشعراء الشعبيين شاعر جَوَاب,خاصة في العقدين الأخيرين من حياته حيث نجد قصائد "البِدْع" التي بادر بها قليلة ووجهها لمن يؤثرهم من الشعراء, وهذا ليس لتعاليه عن أنداده وأصدقائه, معاذ الله, وإنما لكثرة ما يصل إليه من القصائد من مختلف الشعراء الأمر الذي يجد نفسه ملزماً للرد على كل ما يصل إليه ويستحق الرد فعلاً, ومنذ مطلع الثمانينات كثر عدد الشعراء الشعبيين الذين اتجهوا إليه بقصائدهم من شمال الوطن وجنوبه آنذاك, وازدادت أعدادهم بعد الوحدة وحتى وفاته, وكأن الشعراء الشعبيين يتوجونه أميراً لهم دون مراسيم رسمية, لأن عرش الشعر الشعبي لا يعتليه أحد بمرسوم أو قرار وإنما يصل إليه من يفرض نفسه من خلال أشعاره التي يقر الآخرون بجودتها ويعترف بأفضليتها الأصدقاء والخصوم معاً، وهو الأمر الذي حضي به الخالدي وأقر له بمكانته تلك, التي لم يدَّعيها,أنداده الشعراء, فكان يرد الصاع صاعين ويعطي كل ذي حق حقه, ويكيل للأصدقاء والخصوم بذات الكأس التي كالوا له فيها, بل ويزيد, وكان يلتزم أدب الحوار وأصول المناظرة ويحرص على أن لا يستخدم ألفاظاً فاحشة لا يستسيغها الذوق العام،وعلى ما اتسم به شاعرنا من دماثة خلق وتواضع وخفة روح فقد كان أيضاً ذا أنفة وكبرياء لا يقبل أن يستخف به جاهل أو متعالي, وحين يبتلى بشاعر ثقيل كان يردعه بقوة وبقسوة, لكنه كان لا ينشر تلك القصائد ولا يسمح بغنائها ويكتب عليها "محظورة لا تغنَّى" وهذا دليل على عدم قناعته في خوض مثل تلك المساجلات التي اضطر إليها اضطراراً فقط, كما لم ينساق إلى الرد على بعض المتطفلين والدخلاء على الشعر الشعبي, فأهمل أمثال هؤلاء ولم يرد عليهم, فيما كان يتجاوب بسرور مع كل الشعراء المجيدين بغض النظر عن شهرتهم أو موقفهم الذي يكون, على الأغلب, نقيضاً لموقفه, بل أنه كان يأخذ بيد البعض مشجعاً, وكان الأهم بالنسبة له هو الشعر ذاته كقيمة فنية وأدبية وكموقف أخلاقي واجتماعي وتربوي. وقد اعترف له خصومه بأفضليته ودهائه, فهاهو الشاعر عبدالله صالح العلفي, وهو من أشد الشعراء خصومة مع الخالدي, لكنه لا يتحرج من قول الصدق بحق الخالدي ففي قصيدة أرسلها للخالدي عام 1985م يقول:

بو قيس الفتى كلمتي، باعْلِنْهَا ولا بي خجل

 

 والكاذب حلق لحيته، من قال إن شائف سَهِيْل

 

والله انه جبل من جبل، مثله يضربوا به مثل

 

 شيبه خبرته واسعه، شاعر ما سبق له مثيل

 

خلّوا من كذب له كذب، يطلع فسل والاَّ بطل

 

 مانَا الصدق با قولها، شائف من دواهي قليل

 

كان الخالدي رحمه الله شاعراً وإنساناً ودوداً مع الأصدقاء ولدوداً مع "الخصوم الأحباء" من الشعراء الشعبيين, فبقدر ما يستفزه أحدهم يكون رده أعنف وحجته أقوى, ولكنه كان كإنسان صديقاً للجميع, وبالذات خصومه الشعراء, الذين كانت تربطه بهم صداقة حميمة، وكان بيته في عدن، حي المعلا, ملتقى يؤمه كل أصدقائه والمعجبين بشعره وشخصيته المرحة والمتواضعة، وكانت خسارة الوطن والشعر الشعبي بوفاته كبيرة, وخسر الشعراء الشعبيون شيخهم وأميرهم غير المتوج, وما يعكس خسارة الشعر والشعراء الشعبيين بفقدان "أبولوزة" هو ذلك العدد الكبير من قصائد الرثاء التي وصلت من كل حدب وصوب، من داخل الوطن ومن المهجر, من أصدقاء الشاعر ومن المعجبين به والمتأثرين بفقدانه, وأذكر أننا في اللجنة التحضيرية لأربعينية الفقيد الخالدي لم نتمكن من نشر كل ما وصل إلينا لضيق الوقت حينها, والتزامنا بإصدار الكتاب الخاص بأربعينيته في موعده, لذلك لم تظهر في الكتاب إلاَّ قصائد قليلة من قصائد الرثاء, ولا زالت بحوزتي قرابة ستين قصيدة لم تر النور وتكاد تشكل لوحدها ديواناً متكاملاً في رثاء الشاعر من شعراء مشهود لهم في ميدان وسوح الشعر الشعبي من مختلف المناطق اليمنية شمالاً وجنوباً.

ويظل الخالدي خالداً كاسمه بما خلفه من تراث شعري ثري نشر القليل منه والكثير من أعماله جاهزة للنشر إذا وجد من يدعم طباعتها لترى النور وتكون في متناول القراء والمعجبين وفاء لصاحبها رحمه الله ..

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
720
عدد (720) - 30 مارس 2017
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
تطبيقنا على الموبايل