آخر تحديث : السبت 2017/04/29م (20:22)
سذاجة الطفولة
الساعة 08:04 PM


البارحة في الليل كان يكلمني أخي وصديقي الدكتور جلال الفضلي من المملكة المغربية عبر الواتس وقبل أن ينهي حديثة قال : هل تعرف اللاعب حسين صالح لاعب الفريق الوطني أيام الثمانينات شفه جنبي ويقص لي كثيرا من بطولاته ؟
هنا نكأ الدكتور جلال نبعا في ذاكرتي الكليلة وأرجعني إلى زمن الطفولة فكتبت إليه:
أخي جلال :
كنت طفلا صغيرا يعيش في قرية صغيرة محصورة بين الجبال لم يكن في قريتي تلفزيون ، كنت أتابع الرياضة عبر الإذاعة حين ذاك ، وكنت مشجعا وعاشقا لفريق الشعلة ، شعلة خالد عاتق وعبدالله فضيل ومبروك وخميس وحسين صالح ومحمد أخيه ومحمد حسن عبدالله وغيرهم ، من حبي لفريق الشعلة كان بعض أطفال القرية الذين هم أكبر مني يسموني أثناء اللعب (حسين صالح) .
كنت أتخيل حسين صالح ومبروك وفضيل وعاتق ووووو أتخيلهم عمالقة يختلفون عن البشر ، وحينما كنت أتابع المباريات من الإذاعة كنت أطلق لخيالي العنان ليرسم صورة مثالية لهؤلاء العمالقة ، كان حلمي في الحياة أن أراهم على الواقع .
قرر أبي في العطلة الصيفية أن يأخذنا إلى عدن لزيارة أخوالي في البريقة ، لم أكد أنام تلك الليلة وكنت أرقب الصباح ، غدا سننطلق في (الفيات) إلى عدن وهناك سأذهب إلى نادي الشعلة الرياضي لأرى العمالقة ، انطلقنا بعد الفجر نطوي الأرض طيا كأنما أطير على جناح السعادة ، لما هبطنا من العرقوب إلى شقرة رأيت البحر ولأول مرة في حياتي، بهرني منظر البحر وكنت أتسائل في نفسي : هل له نهاية ؟
أفطرنا في أحد مطاعم شقرة ، وانطلقنا إلى أبين ومنها إلى عدن ، لم يكن لي هم ولا غاية ولا هدف إلا نادي الشعلة .
تغديت في بيت خالي عوض وطلبت منه أن يأخذني بعد العصر إلى نادي الشعلة حتى أرى أولئك الذين يختلفون عن البشر .
وبعد العصر حصلت لي كرامة لم أكن أحلم بها :
وقفت بجانب خالي وهو ينظر إلى اللاعبين ويعرفني بهم ،
هذا خالد عاتق وهذا عبدالله فضيل وهذا مبروك وهذا خميس وهذا حسين صالح وهذا وهذا.
فجأة ناداني لاعب أسود اللون ، فقال خالي : هذا مبروك .ولما ناداني رمى إلي مفتاحا في سلسلة وقال : لو سمحت ياولد وصل هذا المفتاح لحسين صالح وراءك.
انحنيت وأخذت المفتاح ومشيت خطوات لأقترب من شاب أبيض وسيم كثير الشعر حسن المظهر يلبس جرما أحمر وسروال أبيض فأخذ مني المفتاح شاكرا لي .
لايدري مبروك وحسين صالح أن تصرفهم هذا العادي المعتاد يعني لهذا الطفل العاشق الأعرابي كرامة لن يستطيع أن يحدث بها قومه لأنهم ببساطة لن يصدقوه بل أنه لم يحدث بها إلا بعد مضي سنوات طوال ،
عدت إلى بيت خالي كأنني ممغنط من ذلك المشهد السحري وأخذت قبل النوم أعيد المشهد حتى غلبني النوم .
لم يعد لي أرب للبقاء في عدن بعد تلك الكرامة التي أختصني الله بها دون الناس
عدت إلى قريتي حاملا في قلبي تلك اللحظات الجميلة التي لم أنس تفاصيلها رغم مضي مايزيد على ثلاثين سنة عليها ، لكني لم أحدث بها أترابي من أبناء قريتي لسبب بسيط وهو أني في قوم لايؤمنون بالمعجزات .ولم أكتب هذه القصة إلا الليلة بسبب صديقي الدكتور جلال الفضلي .
لايدري مبروك وحسين صالح أن ذلك المشهد العادي سيخلد، رجعوا إلى بيوتهم ناسين لمثل هذا التصرف العادي ، لكنهم لم يعلموا أن هناك قلبا عاشقا سيختزن ذلك المشهد لأنه يمثل له معجزة ، وأنه سيخرج إلى النور بعد أكثر من ثلاثين سنة .
لازلت أتذكر تلك اللحظات بلاعبيها وجمهورها وموقف خالي وسبخة الأرض والشبك الحديدي الواقع خلفي وقلبي الخفاق وبصري الزائغ .
اليوم أمر على نادي الشعلة فأراه مبانٍ صامتة بائسة لاتثير في قلبي أي اهتمام ، أحاول حين أقف هناك أن أسترجع جمال الماضي فيهرب الخيال من ذهني كأنه نسمة عابرة لايمكن الامساك بها .
صديقي الدكتور جلال نسخ هذه الرسالة وأرسلها إلى حسين صالح . ولاتسأل ماصنعت به هذه الرسالة .؟

بقلم / ناصر الوليدي

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
732
عدد (732) - 27 ابريل 2017
تطبيقنا على الموبايل